Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

صفحة محمد عيد alAraimi

 

قـوس قـزح

 

 

جلس على حافة السرير. فرك عينيه بباطن كفيه.. غرس أصابعه العشرة في رأسه وفرك. مشط شعره بأصابع  يده اليسرى. حك رأسه بظفر السبابة وسحب يده. نظر إلى ظفر السبابة، ثم وقف!

 

في الممر المؤدي إلى صالة الجلوس شاهد ولده داخل الحمام ونصف وجهه مغطى بالمعجون، والفرشاة داخل فمه. وعندما ألتفت إلى اليسار كانت ابنته منكبة على إدخال قدمها اليسرى في "فردة" الحذاء الأيمن وحقيبة المدرسة إلى جانبها.. تغص بما تحمل. أبتسم.

 

وفي المطبخ صرخ! كانت زوجته واقفة. وضع شفتيه على شفتيها. كانتا باردتين. لم يشعر بنسيم نفسها الدافئ يعطر شفتيه. هز كتفيها. لم تستجب، فصرخ. كانت واقفة ولكنها ميتة أو متجمدة.

 

تذكر واجهة محل أزياء وقف أمامها يوما يدقق النظر في دمية بحجم رجل. كانت معروضة وسط دمى فتيات رشيقات.. جميلات، وشبه عاريات. دقق النظر في الدمية.. لمح شعرة في رمش العين تتحرك. فرك عينيه وأعاد النظر، فشاهد ابتسامة على شفتي الرجل. ابتسم، وانصرف.

 

قبلها مرة ثانية. لم تستجب. رجع إلى الممر. كانت الفرشاة لا تزال داخل فم الصبي ورغوة المعجون تغطى نصف وجهه، وكان نصف قدم البنت اليسرى فقط داخل فردة الحذاء اليمنى.

 

والى الخارج ركض ويستغيث.

 

صرخ عندما شاهد رجل اعتاد "التروض" في الشارع في مثل هذا الوقت من اليوم ورجله اليسرى معلقة في الهواء ولا يتحرك.

 

وصرخ عندما شاهد كلبا رفع رجلة اليسرى يقضي حاجته.. حاجة امتدت كالحبل بين عضوه ومنتصف المسافة إلى صخرة التي قرر الكلب استهدافها عندما ألحت عليه الحاجة! والى جواره جلست أنثاه وعلى فمها ابتسامة صغيرة، تنظر وتنتظر أن يفرغ من قضاء حاجته ليقضي حاجتها.. أو هكذا بدا له في تلك اللحظات من اللا وعي!

 

وعندما بلغ الشارع المزدحم عادة بالناس والآلات غص حلقة بصرخته وخذله لسانه وتجمدت شفتاه. ففي تلك اللحظة المغموسة بالرعب والخوف، بدت الأجساد رغم أوضاع حركتها الطبيعية اقرب إلى التماثيل في تعبير وجوهها. حتى الموت عندما يغافل الإنسان على حين غرة ينتزع الروح لكنه يترك على وجه ضحيته ملامح اقرب إلى الفرح منها إلى الخوف أو التعاسة. أما تلك الوجوه فكانت جامدة ولا تقول شيئاً.. وصامتة!

 

الشارع يغص بالسيارات والمارة، لكن لا دواليبها تدور ولا أرجلهم تتحرك. المصابيح مضاءة، والمحركات تهدر، ولا أحد يتحرك غيره والريح! لأمواج لا تتحرك ولا الشجر، ونافورة تعطلت وعلق الرذاذ بين الأرض والسماء، وحتى الشمس "توقفت عن الدوران"!

 

وفي زاوية الشارع وقفت. ظنها حالها كحالهم أو ميتة، لكنها أخذت تنظر إليه وتبتسم. التفت إلى الخلف فلربما كانت تبتسم لأحد غيره قبل أن تتجمد أو تموت. لا أحد. رفعت يدها اليسرى وأشارت إليه أن يقترب: اقترب. ابتعدت. اختفت!

 

وفي الزاوية الثانية ظهرت.. واقفة تبتسم. رفعت يدها اليسرى وأشارت إليه أن يقترب. فرك عينه اليسرى بظاهر يده اليسرى: اقترب. ابتعدت. توقف، وأدار ظهره ومشى.

‍‍

وعلى صوت زوجته وهي تحث الصبي والبنت على ارتداء ملابسهما والإسراع لتناول الإفطار قبل أن يضغط سائق حافلة المدرسة بوق المركبة استيقظ من النوم. جلس على حافة السرير.. فرك عينيه براحتي يديه ومشط شعره بأصابع يده اليمنى.

 

وفي الممر شاهد الصبي يقف أمام المرآة يمشط شعره بعناية، وكانت البنت توزع الكتب والأدوات المدرسية في جيوب حقيبتها. وفي الصالة قبّل زوجته.. كانت شفتاها رطبتين ورائحة نفسها زكية.

 

تركت شفتاه شفتيها. فتحت جفنيها. رفعت رمشيها. وفي عينيها شاهد قوس قزح.

 

التالي

 


 ]  الرئيسية | مذاق الصبر |دفتر الزوار | للمراسلة [ 

الحقوق محفوظة لصفحة محمد عيد العريمي 2002 ©