|
بقلم:
الدكتور محمد حفيظ الذهب
عندما
حدثني صديقي العزيز محمد عيد عن كتابة
تقديم لسيرته الذاتية تردت بالرغم ان ذلك
أحسبه شرفا لي يغمرني به الصديق وسعادة
أنا في حاجة لها في هذا الوقت بالذات. وكنت
ومازلت أعتقد ان الكتاب لا يحتاج لتقديم،
فهو سيرة ذاتية.. والسير عادة تقدم ذاتها
ولا تحتاج لمن يقدمها. ولأن سيرته تقدم
تجربة إنسانية يصعب على أي من كان ان يصل
لمعرفتها والغوص فيها غير صاحبها هذا من
ناحية ومن ناحية أخرى فأنني اعتقد ان على
المقدم ان يكون صاحب تجربة اعمق من الكاتب
او ان يكون على سبيل المثال
اديبا او ناقدا يشار إليه بالبنان او
عالما متخصصا متبحرا في علم له علاقة
بالرواية والسير الذاتية. بيد ان جل ما
ذكرت من تلك الخصائص هي بعيده عنى، وليس
لتخصصي صلة بها، وكل علاقتي بتلك الفنون
الجميلة أنني اهوى قراءتها (ومن الهـوى ما
قتل كما يقال) ولكن بالتأكيد ليس هذا النوع
من الهوى.
وبالتالي
ارجو ان يسمح لي صديقي ان اعتذر عن كتابة
تقديم وان كان لا بد فليتقبل مني هذه
الكلمات كحق يقال في شخصه وما يراد منها
إلا الحق ذاته وهي كلمات تعبر عن شكرنا نحن
أصدقائه على السماح لنا تفتيش بعض من
اوراقه ونبش بعض من حزانه وآلامه القديمة
والمستديمة.
كنت
منذ زمن وانا اتمنى ان يكتب اصدقائي، وهم
قلة، سيرهم الذاتية لعلمي أنهم يملكون من
التجارب الإنسانية، ايا كانت مجالاتها،
ما يستحق التسجيل والقراءة. فهي من
الأهمية ان تكتب وتوثق ومن حقنا نحن ابناء
هذا الوطن، والاجيال التي ستأتي بعدنا، ان
نطلع على تلك التجارب. ومن المؤكد ان
الأكاديميين والمتخصصين والمهتمين
بالتاريخ وتجارب الشعوب والتجارب
الإنسانية عامة يجدون في هذه السير مراجع
خصبه ذات اهمية بالغة يستعينون بها في
دراساتهم وبحوثهم ويسبرون غورها لاستكشاف
تجارب الناس وتاريخهم. وسيجد القارئ
المتذوق، ايضا، متعه في قراءتها وسيهواها
أيما هوى لأنها تجارب اهله وتمتد جذور
بعضها لاكثر من نصف قرن من الزمان، وبعض
هؤلاء الأصدقاء تختزن ذاكرتهم جزءا مهما
من تاريخ بلادنا الحديث ويفيض معين تلك
الذاكرة بتجارب الغربة والشوق والحنين
والتحدي والتضحية من اجل مستقبل افضل
لأجيال قادمة. ولا يجوز لهؤلاء الأصدقاء
ان يحتفظوا بذلك الكنز من المعرفة
والممارسات الحياتية في ذاكرتهم فقط
وينتظروا منا نحن أصدقائهم نبش تلك
الذاكرة لنتعرف على بعض من تلك القصص
المشوقة. وكما هو معروف فالزمن له قوانينه
ومن تلك القوانين انه يسرق الوقت من
الإنسان قبل ان يدون زمنه وأحيانا كثيرة
لا يمهله لكي يكتب تجاربه وذكرياته بحلوها
ومرها. واني على يقين ان بعض هؤلاء
الأصدقاء ومنهم كاتب هذه السيرة يملك من
الأحداث والتجارب اكثر واعمق واصدق من
تجارب بعض ما نقرأه هنا او هناك بين الفينة
والأخرى على شكل روايات او سير ذاته. ومن
هذا المنطلق فان تجارب هذا الوطن المتمثلة
في تجارب ابنائه ليست ملكا او حكرا
لاصحابها او من عاش مرحلتها فقط بل هي ملك
لنا جميعا ابناء هذا الوطن وملك للقارئ
العماني والعربي المتلهف لمعرفة مكنون
وطننا وتجارب اهله تاريخا وحاضرا..
تجارب تستحق أن تكتب.. ان توثق..
للمستقبل على أقل تقدير.
واذا
كانت كتابة السير والتراجم الذاتية فن لم
يجربه الكتاب والادباء العمانيون
المعاصرون، فان تاريخ وطننا وسير اهلة
ليست دخيلة على عالم الادب، فقد اضطلع
كتاب ومستكشفون ومؤرخون كبار سواء من
اهله، عرب، او اجانب، بمهمة كتابته تاريخ
عمان وسيرة اهلها، وهنا يحضرني الأديب
الفلسطيني الكبير غسان كنفانــي رحمه
الله، وهو من الكتاب والروائيين العرب
الذين شاركوا العمانيين تجارب غربتهم
وحنينهم للوطن وأملهم المنتظر، وجسد ما
تحمله غربتهم من معاناة وحنينهم من دفء
وأملهم من فرحة ووثقها على شكل قصص صغيرة
كتبها قبل اكثر من اربعين عاما في مجموعته
القصصية " موت سرير رقم 12 " (ترجمت هذه
القصة للغة الإنجليزية).
تجربة
الصديق محمد عيد مختلفة.. ولعل هذا
الاختلاف هو الذي يجعلها جديرة بالاهتمام..
هي تجربة زاخرة بالمواقف الإنسانية..
التناقض فيها وارد والحب فيها يملأ القلب
عطرا، والتضحية تكتسب مكانا متقدما من تلك
المواقف. والسيرة الذاتية التي كتبها
وأختزلها في كتاب واحد كان بإمكانه أن
يذهب بتفاصيل احداثها الى ابعد مما ذهب
وهي جديرة بان تعرف لتشكل في النهاية
سلسلة كتب من التجارب الإنسانية. وهو
أيضاً اختزل مع هذه السيرة اختزالا قسريا
آلاما متعددة وصبرا طويلا امتد لعقدين من
الزمن، فكان بخيلا علينا بالتفاصيل وشاحا
في بوحه إلا بالقليل من مكنونات ذاته. وجاء
جانب من ذلك القليل يعبر عن كنز أدبي تظهره
أحياناً كلمات وجمل أدبية هي أشبه
بمقطوعات موسيقية أو شعرية ، كلمات تخرج
من أعماقه ليس أمامنا خيار إلا أن نعشقها
ونحبها كما نحبه هو لذاته. وفي الجانب
الآخر من ذلك المخزون جبل من الألم
والمعاناة والمرارة والأحزان لا أحد منا
يستطيع ان يراها حتى القريبين منه إلا من
يستطيع أن يرى قمم الجبال التي تحيط
بمنزله وسط عتمه الليل وهؤلاء قلة قليلة
لديها حس خاص بمعرفة الإنسان، الإنسان
لذاته وبمفهومه الشامل وبكل تناقضاته.
نحن
اصدقائه واقاربه وابناء مدينته وعمومته
لم نشعر يوما بعمق الحزن الذي في داخله
برغم علمنا به لا لشيء إلا لأنه دائم
الابتسامــة ونادرا ما تفارق محياه
بالإضافة لحيويته ونشاطه الدؤوب فلا
يشعر زائريه وهم كثر وبشكل يومي ان
هناك ألم يضايقه او يعاني منه. فهو اكبر من
الحزن واكبر من الألم ولذلك فنحن اصدقائه
نتعلم ونستلهم منه كيف نستطيع تجاوز حزننا
وألمنا ولا يحلو لنا شرب الشاي والقهوة
إلا في منزله او اقل معه يكون للشاي
والقهوة مذاق خاص.
نتضايق
بعض الوقت من هموم الدنيا نصاب احيانا
بالإحباط لكثرة ما نسمع ونشاهد من اخبار
عربية ودوليه، نشد الرحال إليه، نظره
واحدة إليه كلمة واحدة منه تسبقها ابتسامه
ترحيب صادقه مملؤة بالتفاؤل. يبدأ النقاش
والحوار في شتى المواضيع، نرحل بعد ذلك
سويا لعالم جميل
بعيدا عن القلق والإحباط ، عالم الغد
والمستقبل والأحلام . لا وقت لديه للعبث
فهو دائما أما يقرأ رواية او كتاب او يكتب
مقاله في حب الوطن او في حوار مع اصدقائه
او مشغول بجهاز الحاسب الآلي او يؤدي عمله
كمترجم " المهنة التى تعلمها بعد الحادث
"، او يبحر في عالم الإنترنت او يذهب
لمشاهدة فيلماً جديدا او يذهب للمستشفي
لتلقي العلاج والذي لم يعد يمثل له هاجس و
قلق ولا يجد حرجا ان يشرح لك طبيعة العلاج
كطفل يتحدث بعفوية عن نفسه، إنه في سباق مع
الزمن. ومع ذلك فهو يجادلك بأن العبث مهم
جدا لدى المبدع فهو الذي يحرك شعور
الإنسان الداخلي وتناقضات النفس البشرية
ليجعلها اكثر تمردا لتظهر بعد ذلك للعالم
الخارجي على شكل صور إبداعيه يتذوقها
القارئ أو المشاهد أو المستمع
في
هذا الزمن قليل من الناس يرفض العيش في
سفوح الجبال ولا يهنا له بال إلا على
قممها، وقله قليلة هي التى ترى قمم الجبال
في عتمه الليل وأحد هؤلاء هو صديقي محمد
عيد.
ان
ما يربطني بصديقي الى جانب الفكر والود هو
اننا ابناء مدينه صور العمانية، تلك
المدينة الجميلة التي ابدع صديقي بوصفها
بأسلوب أدبي راق وبصوره جمالية اقرب
للخيال منها للواقع برغم واقعيتها وهذه هي
عادته يسرف في حب من يحب. ان
ما يميز ابناء المدن الساحلية، عادة،
هو عشقهم للبحر واعتزازهم بالأرض وتذوقهم
ملوحتها وحبهم للسفر والترحال ورغبتهم في
المغامرة والمخاطرة وفضولهم لمعرفة
المجهول وسباقهم غير المنقطع مع الزمن
وايمانهم بأحقيتهم في الامساك بناصية
القادم منه.. المستقبل، ومع ذلك فهم بسطاء
في التعامل مع أنفسهم ومع الآخرين.. أصحاب
فرح ومرح وابتسامة على الشفاه.. تلقائيين
في الحديث غير عابئين او مكترثين للواقع
ولا مبالين بلحظية الزمن او مهتمين بما
سيئول إليه نتيجة تلك اللحظة من الزمن،
لأنهم مؤمنين بان الزمن الآتي الذين
يحلمون به هو ليس الزمن الآنى بل الزمن
القادم او بلغة أخرى هو مستقبل الاجيال
الآتية من بعدهم. وحسب نظرتهم فان الأفضل
والأنفع والأجدى العمل لذلك الزمن. هل
رأيتم يوما بحارا يجدف للوراء وهل شاهدتم
يوما سفينة تبحر للخلف وهل سمعتم يوما عن
ربان يضع منظارا على عينيه وهو يقف تحت سطح
السفينة! أم يتقدم الجميع رافعا رأسه وهو
يعتلي صدرها.. انه قدرهم.. قدر كتبت خطاه
عليهم!
هذه
الصفات تميز بها أهل صور بحكم موقع
مدينتهم وارتباطهم الازلي بالبحر. ولربما
استطاع احد او بعض ابنائها ان يظهروا بعض
من تلك الصفات في صورٍ مختلفة وفي اشكال
متعددة، ولكن صديقنا كاتب هذه السيرة
استطاع ان يجمع ويترجم كل تلك الصفات في
صور ابداعيه جميلة ومحببة للنفس، كتابة
ومسيرة، سلوكا ومعيشة، فكرا وتطبيقا،
ألما وفرحا وصبرا مستمرا. وعبر عن كل ذلك
بصدق ليس له حدود وبدون حواجز او
موانــــع وباحساس مرهف وبابتسامه غير
منقطعة تشاهدها عندما تبدأ خطوتك الأولى
نحو مجلسه، وبقلم لا يرتجف ولا يتردد ولا
يعرف الغموض فليس هناك مكان لذلك المصطلح
في كتاباته. فعباراته وكتاباته واضحة..
تعكس تجربة إنسانية واقعية.. يعيش يومه..
يكتبه بكل تناقضاته وجدليته التى لا تتوقف.
هذا
هو صديقي الذي أعتز بصداقته وأفخر بسيرته
وأتمني لقرائه ان يقتربوا من متعة ومعرفة
الناس البسطاء في ذاتهم .. عظماء في عطائهم
وصبرهم من خلال قراءة هذه السيرة.
الدكتور
محمد بن حفيظ الذهب
|