Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web


 


القراءة الثانية

هؤلاء الأشخاص هم قلّة، هم النخبة التي يمكن أن يتّكل عليهم الإنسان في المحن، فأنّى لنا نحن من كلّ ذلك، حيث أنّ نوابغتنا لا يجدون من يدعمهم أو يساهم في تعزيز إمكانيّاتهم وترسيخ قدراتهم المهنيّة والفكريّة على السواء. هذا ما يدفع بمعظمهم للتخلي عن الوطن واللجوء إلى الغربة، إلى الغرب المتطوّر، وأمريكا تحديدًا، من أجل إثبات مهاراتهم، ويبرعون نازحين مهاجرين، فنتدافع افتخارًا بهم!

هم يحققون طموحاتهم هناك ويحصلون على ما يريدونه من شهرة، ويحصل الغرب معهم على خبرات واكتشافات يستعملها في تطوّره التكنولوجي، ونحصل نحن في هذا الشرق على الخنوع والاستزلام والانسياق إلى الحكّام والتزلّف لهم في انتهازيّةٍ ما بعدها انتهازيّة. أهكذا تُبنى الأوطان؟

مجرّد تساؤلات وردت إلى الفكر مع قراءاتي هذه وتبعتها تساؤلات أخرى لا بدّ من التطرّق إليها حين يشرح محمد عيد الكاتب كيف أنّ المستشفى يعجّ بالمرضى العرب، وأكثرهم من شبه الجزيرة، بما معناه أنّ من تواجد معه هناك هو من المحظوظين (مثله) أصحاب أموال أو بكفالة شركات بتروليّة عالميّة تحترم نفسها وتقدّر الإنسان وتمنحه فرصة استعادة قدراته، فكريّةً كانت أم جسديّة، ولا تتخلى عن موظّفيها مهما تقلّبت الظروف، وهذا ما جاء على لسان الكاتب حين شكر الشركة وطبيبها.

محظوظ فعلاً كاتبنا، فلولا تواجده في هذه الشركة بالذات لما كان حصل على كلّ تلك العناية الراقية واللائقة. والسؤال المطروح هو: لو أنه كان يعمل في شركة أخرى أو لحساب شخصٍ ما ذات قدرة متواضعة أكان تمتّع بمثل هكذا معاملة؟

سؤال يحتّم نفسه في مدار قراءة السيرة، ويحتّم رحيلاً في المخيّلة إلى أبعد الحدود، حيث الحواسّ لا تحتمل دقّة الموضوع، حين نلج خصوصيّاته ونبحث فيها في الأعماق، فهو يوصلنا إلى التساؤل الأكبر: ماذا يحلّ بسائق سيّارة أجرة أو موظّفٍ حكومي أو بربّ عملٍ بسيطٍ أو أيّ شخصٍ عادي آخر لو وقع ضحيّة هكذا حادث؟!؟

هشاشة البنى الصحّية في هذا الشرق واضحة، ورقي وتطوّر الإنسان يأتي في الحفاظ على إنسانيّة المعوّق، كما يحلو لعيد تسميته، وأنْسَنة إعاقته.

في الدول الأوروبيّة الغربيّة التي تحترم نفسها سُنّت قوانين صارمة، من قبل مشترعيهم (برلمانات وحكومات)، تحمي هؤلاء الأشخاص المعوّقين. لا بل تأخذهم الدولة على عاتقها وتفرض تأهيلهم وتخلق لهم الأجواء الملائمة وتضع بتصرّفهم المؤسّسات المتخصّصة، كما تخلق لهم بعدها فرص عمل تساعدهم على إعادة إندماجهم في المجتمع. هذا ما يسمى بتساوي الفرص ما بين المعوّق والمقتدر السليم.

هناك ذهبوا أكثر من ذلك بكثير، وما أوضح من الكاتب حين يتكلّم عن كيفيّة تأقلم مجتمعاتهم، مؤقلمين البيئة لكي تستوعب معوّقيهم. ويبقى السؤال: أين نحن في شرقنا من كلّ هذا؟ ماذا فعلنا، ماذا نفعل الآن، ما هو مدى استعدادنا للسير قدمًا ببرامج تمنح المعوّق الشرقي حقّه في تكافؤ الفرص، وماذا نخطّط للمستقبل؟

للحقيقة سوف يبقى معوّقونا يجرجرون أنفسهم على الطرقات، ما أمكن لهم ذلك، ويشحذون في الشوارع لقمة العيش، كرم أخلاقٍ من محسن أو معين!

وإن تمكّن الكاتب محمّد عيد من الجلوس على الكرسي المتحرّك، فذلك بفضل وعي وأخلاقيّة مسؤولي الشركةٍ التي يعمل لديها ولم تتخلّى عنه إطلاقًا، وبفضل مؤسّسةٍ متخصّصةٍ متواجدة في الغرب مهمّتها التأهيل بجدّية، لا كما ينمو هنا وهناك في شرقنا الحزين طفيليّات تدّعي التخصّص وممارسة التأهيل وهي، في شكلها المتواضع وقدراتها البسيطة، خارج الدعم الحكومي أو معه، أبعد ما تكون عن ذلك.

ولا نتكلّمن كثيرًا عن المؤسّسات المنوطة بعناية المعوّقين، حكوميّة كانت أم خاصّة مع استثناءات قليلة لهذه، فإنّ معظمهم قد أنشئوا من أجل إعطاء تلميعٍ للحكومات أو وجاهة يبحث عنها بعض المتطفلين أو حتى اكتساب أرباح مادّية على حساب المعوّقين، وهي في نهاية الأمر تشكّل ، كما قال الكاتب، عبئًا على المعوّقين أنفسهم بدل دعمهم.

كلّ هذا يصل بنا إلى خلاصة واقعيّة وإنّما مؤلمة وهي أنّ الغرب يعطي إنسانه حقّه في الإنسانيّة، ويحترم خصوصيّاته وجسده وتفكيره، ويلتزم بكلّ فردٍ مهما كانت إمكانيّاته المادّية أو الفكريّة أو الاجتماعيّة في الهرم التصاعدي للدولة، بينما يرزح إنسان شرقنا تحت وزر أحمال ثقيلة، ودون أيّ التزام مادي أو معنوي من مسؤوليه، ولا طاقة له عليها!

عادةً، إنّ ما يحصل بعد أيّ كارثة هو اختلاف تداعياتها من إنسان لآخر، حسب قربه أو بعده عن المصيبة بحدّ ذاتها أو حسب ولوجه قلب الحدث.

منهم من يلج الحدث بشجاعة ويتقبّل الكارثة بوعي، ومنهم من يلجها بخوف شديد ويلجأ إلى العقل مع الوقت، ومنهم من يرفض وضعه وينهار كليًا، فيلجأ إلى تناول العقاقير المهدّئة وما من ينتشل نفسه من الحضيض، لا حضيض الكارثة بل حضيض الألم والمعاناة، فيسارع في الخطو بجسده نحو النهاية.

من المؤكّد أنّ من له قدرة الصبر وروح التحدي وطباع العناد يبقى حتمًا يثابر ويبعد عنه شبح الانهيار والموت الجسدي والمعنوي. هذا لا يعني أنّ أمثالهم لا يشعرون بالألم أو بالمعاناة أو بالضغط النفسي اليومي عليهم كأيّ امرءٍ عادي آخر. أشخاصٌ كهؤلاء يبقون حتمًا منارة تضيء على الدوام ليل شرقنا الحزين هذا!

وفي الحياة العمليّة إن من يكون في قلب الحدث يتقبّل الأمر كحتميّةٍ إلهية أكثر من أيّ قريب له، فهو ربما يستوعبها أكثر، نظرًا لكونه على رصيف الانتظار يترقّب ساعة الرحيل!

من لا يتقبّلون ذلك، فتكون وقع الصدمة عليهم أشدّ، هم أقاربه اللزم، كالأب المجروح بكرامته وعزّة نفسه وكبريائه، كالوالدة الملتاعة والمرأة المذهولة والإبن الشجين وكالأهل المحزونين على مصاب قريبهم.

وما يرفع إسم هذا الشرق عاليًا هو نخوة أبنائه! شعوبٌ طيّبة تركض لتساعد وتهتمّ رغم قصر الحيلة لديهم وعدم منفعتهم في كثيرٍ من الأحيان إلاّ في شيءٍ واحد وهو التبرّع بالدم!

نعم إبن وطننا العربي وجد نفسه عاريًا من كلّ مقوّمات إنسانيّته، فتبرّع بدمه، ولو أمكنه لتبرّع بحياته! أليس هذا ما يحصل في الأرض الفلسطينيّة؟

لكن الاهتمام بالمريض والاندفاع الطيّب للمشاركة والمواساة والمؤانسة وإظهار كلّ الاستعداد للخدمات هو سلاح ذو حدّين. لا يُخفى على أحد بأنّ من يرزح وأهله في مصيبة ما هو أكثر حاجةً إلى الهدوء والراحة، النفسيّة منها والجسديّة، وهذا ما يؤمّنه ذوو المريض لتحسيسه بوجودهم بقربه وإمكانيّة الاهتمام به كما يجب، فهناك أمور تحكم ليس فقط الإعاقة وإنّما أيضًا المرضى الرازحين في أسرّة العلاجات المختلفة. أعطي مثلاً على ذلك: استعمال الزحافات لقضاء حاجات المريض في السرير وهو أبسط الأمور.

غالبًا ما يعيق الزوار والمتطفلين المريض ويحرجوه ويضطرّوه للانتظار قبل القيام بمهام معيّنة يفضّل القيام بها بمفرده وبعيدًا عن أعين الآخرين.

من ناحيةٍ أخرى إن تواجد الزوّار لأوقات طويلة تضطرّ الأهل للمسايرة وتُلهيهم عن مريضهم، وقد يكون أحوج إليهم.

كلّها أمور عايشناها، ليس أنا فقط كطبيب، وإنما كلّ من اضطرّ للدخول إلى المستشفى. حتى أنّ البعض بات يفضّل الدخول للعلاج سرًّا دون علم أحد. وقد مارست هذا الأمر على نفسي مرارًا.

من له شخص يعينه هو محظوظ، هكذا هو محمد عيد بامرأته. إنّ تواجد هكذا أشخاص ليُخَفّف الكثير، وصدّقوني، من وقع الإصابة أو المرض على نفسه، فينعشه ويلهيه عن ألمه وينسيه، لفترة طويلة خلال ساعات النهار، حدّته.

ليس من السهل التطرّق إلى المعاناة الذاتيّة، لا سيّما الأوجاع والألم المتأتّي عن الجسد، فالجسد وسيلة تحمل الغاية، والغاية هي الوصول بالروح إلى منابع الله في نهاية الأمر... أليس لذلك خلقت الأرض والسماء ووضعت الجنّة في انتظارنا!

لكن من يعاني، يتمسّك بالحياة أكثر من أيّ شخصٍ آخر رغم فناء كلّ البشر!

هذا لا يعني الخوف من الموت، والمريض أوّل ما يفكّر به، إنما ّهي طبيعة الصراع من أجل البقاء، والنفس لا تشذّ عن هذه القاعدة. ومن يفكّر بالموت بجدّية يفعل دومًا من أجل إبعاده عنه قدر مسافة عن جسده، قدر وقتٍ زائل، قدر روحٍ مناضلة، قدر يومٍ آخر يربحه وقدر محبّةٍ لهذه الحياة الموهوبة من الله!

لذلك من يعاني عليه أن يتحمّل بصبر، وهو يتحمّل حتمًا أكثر من الباقين، وعليه تخطّي عوائق لا يفكّر بها أيّ رجلٍ سليمٍ في كثيرٍ من الأحيان. وفي خضمّ الصراع المرير هذا يواجه الشخص ذاتَه، بتفاعلات أحاسيسها والمشاعر، في عمليّة صمود مستمرّةٍ وإنما متأرجحة في بعض الأحيان العصيبة التي تضع الذات أمام واجهة الواقع الفظّ بمرارة تجاور أحيانًا حدود الانهيار، وهنا تكمن المشكلة.

غالبًا ما يتخطّى الشخص معاناته والانهيار بنفسه من دون مساعدة أحد، وهذا سرّ بقاء الذات على قيد الحياة... هذا سرّ البطولة الصامتة التي لا يعرف بها أحد! هكذا يبقى الألم، وتبقى المعاناة معه، محصورًا في دائرة الذات، هكذا تصبح الضحيّة أقوى، وبكثير، من الجلاّد!

أمّا من يقبعون في أروقة الانتظار ولا يتعدّون بإرادتهم المصيبة، فقد أوجد الغرب لهؤلاء أطبّاء نفسيين متخصّصين يساعدوهم على تخطّي محنتهم. أمّا نحن في شرقنا، عن هذا الموضوع غير المألوف، فحدّث ولا حرج.

والتعامل مع الذات لأوّل وهلة هو الرفض! رفض لكلّ شيء، للواقع المرير، للمصيبة بحدّ ذاتها، ولكلّ شخصٍ له علاقة معها من قريبٍ أو بعيد. إنّما قوّة الإرادة عند البعض، وعمق التفكير الناجم عن طباع المصاب، وانحسار دائرة الألم مع الوقت واستعادة هوّة الكارثة حجمَها الطبيعي، والتي تصبح مجرّد ذكرى أليمة، وتَكَدّس الأحاسيس في الجزء السليم من الجسد، يعطي الفكر انطلاقةً أقوى بكثيرٍ من أيّة إرادة محتملة، وكلّ ذلك يخلق إنسانًا جديدًا في مفهومه وتطلّعاته إلى الحياة.

كلّ هذه الأمور تكوّن جزءً لا يتجزّأ، بشخصيّته الآنيّة، من ذات المعوّق. هكذا فإنّ الإرادة وعمق التفكير ورويّة التطلّع إلى الأمور هم الذين يتحكمون، وبطريقةٍ لاشعوريّة، بمجمل القرارات المتخذة من قبله. هذا بالتحديد يوصله، بإدراكه السليم، إلى خلاصةٍ مفادها بأنّ الإنسان، إن بقي العقل سليمًا معافى لديه، وإن فقد كلّ جسده، وأكملت خلايا الدماغ عملها الطبيعي بانتظام، هو حتمًا ما يزال حيًّا يرزق، فالعقل أساس كلّ حيّ مفكّر. أوَليس وضع كاتبنا أكبر دليل على ذلك؟

فلنأمل إذًا أن يبقى عقلنا سليمًا معافى على الدوام لكي يتسنى لنا متابعة حياتنا بكل حيويّة ونشاط وانضباط خلقي يعطينا إيّاه هذا الرأس المدبّر.

العقل هو أساس كلّ قدرةٍ على التفكير والإبداع. بفضله تبقى الصحوة، والصحوة تعطينا لذّة متابعة الحياة، تعطينا، والنفس، إرادة صمودٍ وتحدّي وعناد، ومذاق صبر مرارته تحلو شيئًا فشيئًا مع النسيان وتعطينا في النهاية الأمل!!! 

من هنا، من هذا الأمل ننطلق نحو علاقاتنا الإنسانيّة لنتأقلم مع وضعنا ومع ما يُخبّئه لنا القدر.

العلاقات الإنسانيّة... التأقلم... الشعور بالعجز، كلها أمور تحكمها أحاسيس ومساعر وليدة اللحظة، أكنا أناس عاديين أم معوّقين، وهي تتحكّم بمشاعرنا وتتداخل في حياتنا على الدوام.

غالبًا ما ننفر من أحدهم في حياتنا اليوميّة، ومن دون سبب يذكر، أو نتقرّب من آخر لدافعٍ أو رغبة فينا لا تُفسّر. أمّا في عالم الإعاقة فالعلاقة الإنسانيّة تحكمها دوافع وظروف مختلفة تحتّم التقرّب والصداقة من دون إمكانيّة الانتقاء أو الرفض أو الخيار.

يخبرنا الكاتب عن فترة التأهيل، فندخل معه إلى عالمٍ تختلف فيه الصور لنراها من وجهة نظر المعوّق. عالمٌ هو، من نسج الخيال إن كنا خارجه، من يلجه يدهش لما فيه من روائع ويذهل لما يحويه، ولما يبيّن لنا ما يحوي هذا الإنسان، من قدرات هائلة كامنة تنتظر العطاء.

إنّه كوكب آخر يعيش فيه أناس مختلفون بعيدون عن واقع الحياة الخارجيّة ولا يأبهون إلاّ لما يحيط بهم من هذا العالم الخاصّ بكلّ جوانبه. إنّه كوكب يلتزم معرفة الآخر والدخول إلى حيثيّاته بأسرع مما نفكّر، بأفضل مما نتصوّر. إنّه كوكب الجمال الداخلي، حيث الذات تتألّق بكلّ حلاها، حيث النفس تعطي من دون مبرّر وتضحي بسلبيّاتها بحثًا عن الإيجابيّات. إنّه كوكب يحتّم ضبط النفس والتزام قوانين قاسية تفرض سرعة الاختيار وعدم التسرّع والتفكير... كلّ التفكير بردّة الفعل.

يتبع ذلك التأقلم مع الإعاقة الجسديّة، أو بالتحديد مع الجسد المعاق بكيفيّة التعامل معه والنظر إليه من منظار مختلف عمّا كنا نعرفه أو نتعامل معه بكامل قدراته سابقًا. هذا أمر ليس بالسهل ويلزمه الوقت، كلّ الوقت، لاستيعاب الفكرة.

وفي هذا الكوكب الخاصّ الذي نعيش فيه نبني مع الوقت، وإن كان لفترةٍ قصيرةٍ نسبة لما نقضيه من حياةٍ خارجه، أحلامًا وتعيش فيها بخيالنا مما يدفعنا للابتعاد عن العالم الخارجي والطبيعي الذي ينتظرنا. من هنا تعلّقنا اللامحدود، حدّ الهوس والمرض أحيانًا، بهذا العالم الخيالي الذي نهاب الخروج منه. وفي هذا العالم الخيالي الذي نكوّنه لأنفسنا نرى ذاتنا قادرين على التعامل معه بسهولةٍ تامّة مما يدفعنا للتكبّش به.

إنّه ذلك الإحساس الذي يعترينا بمعرفة قواعد لعبةٍ تعلّمناها بسرعةٍ فائقةٍ وتعوّدنا على ممارستها وبتنا جزءً لا يتجزّأ منها ومن ذلك المحيط الذي أخذ على عاتقه الاعتناء بنا، وهذا كلّه ينهار بلحظةٍ إن فكّرنا الخروج منه نهائيًا.

هناك من لا ينجح في إعادة رسم طريق جديدٍ له ويبقى سجين إعاقته على الدوام. حينئذٍ تبدأ الهواجس وتتكاثر التساؤلات وتخلق عقدة نقص تجاه أنفسنا بعد أن كنا الأقوى طوال فترة التأهيل التي لحقت الإعاقة.

وتساؤلات محمّد الكثيرة، بهواجسها وأحاسيسها وتفاعلاتها وتشنجاتها، ما هي إلاّ جزء من ذلك الخروج الفجائي للذات إلى عالم الحقيقة من جديد. جرأة محمد وعمق تفكيره إلى حدّ التساؤل عن مصيره ومشاعر زوجته تجاهه وقدرتها على تحمّل واقعه الجديد، إن تبيّن، فهي تبيّن عن مدى حرص الذات في تلك اللحظات على معرفة حقيقة دواخل الأمور كي لا تفلت منها. إنها تعطينا فكرةً واضحةً عن مدى تأثير المأساة على طريقتنا في التفكير، وهي تعطينا وقبل كلّ شيء، أهمّ شيءٍ بنظري، مدى حبّ هذا الإنسان لامرأته ومحاولة تنصيلها منه، إن أمكن، ومدى أنسنة الذات في تطرّفها الإنساني حينما تعتبر نفسها عائق أمام سعادة الآخرين، وأهمّهم من نحبّ.

هناك أمرٌ يجب التحدّث عنه في شرقنا الحزين هذا وهو وضع المرأة على وجه التحديد. وقبل أن أورد خاطرتي يهمني أن أوضح بأنّ ليست كلّ الحالات الاجتماعيّة متشابهة، تمامًا كما الإعاقة، وما أنا بصدد التكلّم عنه لا يتطابق بالتحديد على كلّ امرء. فالمشاعر والأحاسيس، وإن اختلفت شرقًا وغربًا، تبقى الوحيدة المتحكّمة بتفاعل محيط المعوّق معه. من هنا الاختلاف الكبير في تصوّر الإعاقة والفارق الأكبر في متابعة الحالة الفرديّة التي تخلّفها الإصابة من مجتمع لآخر.

المجتمع الغربي اهتمّ بالشقّ الاجتماعي البيئي مؤمنا كلّ ما يلزم من هذه الناحية لمعوّقيه، وتناسى بعض الشيء الشق الإنساني الشخصي والمتعلّق بمشاعره، معوّضًا عنها بأطبّاء نفسانيين. بينما أغفل مجتمعنا الشرقي الشقّ الأوّل كليًا وبقي محافظًا بعض الشيء على الشقّ الإنساني دون أن يؤمّن ذلك قوّة دفع من أجل تغيير وضع المعوّق في مجتمعه.

تابع القراءة الثالثة

 

 

 

[المحتويات|مذاق الصبر|نقد|قصص|نصوص|شعر|خواطر |السيرة الذاتية|مقالات| للمراسلة|دفتر الزوار]