Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

    



لست بطلا ولا اطلب بطولة

 

اقول "لا" عندما اظن انها الرد الصحيح، واقول "نعم" بارادة لا تنقصها القناعة ولا تفرضها الظروف او الاحساس بمركب النقص

بحكم تجربتي وقراءتي لكتابات كثير من المتخصصين واطلاعي على تجارب آخرين عرفت ان  تبعات الاعاقة، سواء الاجتماعية او الصحية ـ والعلاقة واردة هنا ـ تتباين من شخص لآخر حسب خلفية المعوق الدينية والاجتماعية ومستواه العلمي والثقافي، فضلا عن درجة وعيه باعاقته. وظني ان من يملك بعض هذه المقومات يستطيع وحده مواجهة تحديات الاعاقة والمعوقات التي تفرضها.

فبالانسجام مع الذات والثقة بالنفس والاعتزاز بها، يستطيع المرء تجاوز تحديات الاعاقة من خلال معالجتها بعقلانية بعيدا عن اية ردود انفعالية، و"فهم" ردود الافعال السلبية على اساس خلفيتها الاجتماعية ومن ثم استيعابها.. خاصة اذا صدرت من شخص لم يحظ بمستوى من الوعي والثقافة.

وفي هذا الصدد يحضرني موقفا آخر تطلب مني تحديد رد فعل فوري. فقد كنت بصحبة صديق نجلس في مقهى باحد المراكز التجارية. وجاءت فتاة بارعة الجمال وجلست على الطاولة المقابلة لي. وكان من الطبيعي ان يقف نظري عليها حتى وان لم اشأ.

ذلك الموقف دعاني الى التفكير: هل انظر اليها كما ينظر أي رجل لامرأة وقع بصره عليها. واذا افترضنا انها من جنس الغواني اللاتي يصدق قول الشاعر فيهن "… يغرهن الثناء" كيف ستستقبل نظراتي! وقلت لنفسي "لا يهمني كثيرا ماذا ستفكر هي: استصغرت نظرتي لها.. استهجنتها، لا يهم. فكل ما يعنيني الآن هو ان انظر اليها كما ينظر أي رجل لاي امرأة.. وسوى ذلك لا يعنيني بشيء!

ويشكل شعوري بذاتي اهمية بالغة في صياغة اسلوب علاقتي بالناس. واحاول ان اسحب تأثير ذلك على مظهري الخارجي، طريقة كلامي، وكيفية تصرفي في حياتي اليومية. هذا الشعور بدأ بعد سنوات قليلة من الاصابة، وجاء عن قناعة انني شخص جدير بالاهتمام! بالتأكيد لي هفواتي واخطائي وسلبياتي، لكني ايضا ـ ودون تواضع لا مكان له ـ املك خصالا يفتقرها كثيرون.

هذا الايمان بالذات ـ وليس الغرور بها لاني لا املك ما يدعو للغرور ـ اخذ يكبر بمرور الوقت، وبدأت اشعر ان ثقتي بنفسي فاقت ـ حتى ـ تلك التي كانت قبل الحادث.

لماذا حصل هذا؟ لا ادري! وهذا ليس مجال استطيع الافتاء فيه، لكن اخذا بالمثل الذي يقول "اسأل مجرب ولا تسأل طبيب"، قد "ينط" لي قارئي ويقول "ايش معنى هذه؟" او بالفصحى.. لماذا توقفت عن الافتاء هنا وانت مارسته منذ السطر الاول في هذا النص؟". وهو على حق!

واقول ان كل واحد منا يختلف عن الآخر: يتفرد بخصائص وخصال.. ايجابيات وسلبيات، وهي ليست سوى محصلة تجارب عديدة تداخلت وتفاعلت لتشكل شخصية "الفرد". وليس ادل على ذلك من كلمة الفرد نفسها التي تربط بين الشخص وتميزه، فالفرد في اللغة تعني الشخص الذي لا نظير له.. ليس لتفوقه وانما لاختلافه. ويأتي صوت القارئ ذاته ليقول "وفسر الماء بعد الجهد بالماء".

واقول ان احد الاسباب التي ولدت لدي هذه الثقة هي انني استطعت خلال سنوات اعاقتي الطويلة ان اعيش مستقلا ومعتمدا على نفسي.. لم اطلب قرشا من احد، ولم ير احد دمعتي ولم تسمع اذن أنتي! وبقدر جدارتي في توفير مقومات نجاحها، اصبحت الحياة  حينئذ ـ بالنسبة لي ـ جديرة بان تعاش وان تكالبت عليّ الصعاب والمعوقات. وهنا تلعب محصلة تجارب الفرد الحياتية والرؤية الشخصية للامور دورا في صياغة موقفه وتحديد الاتجاه الذي يريد ان يسلكه.

وانا هنا لا اتحدث عن روتين الحياة اليومية التي اعتمد فيها على الآخرين في انجاز ما لا يقل عن 70% منها ـ سوى العمل الذي أديه بالكامل وعلى اكمل وجه ممكن ولله الحمد ـ وانما اقصد استقلال القرار فيما يعني كل جوانب حياتي. اقول "لا" عندما اظن انها الرد الصحيح، واقول "نعم" بارادة لا تنقصها القناعة ولا تفرضها الظروف او الاحساس بمركب النقص.

وقبل ان يأتي صوت هذا القارئ او ـ ربما ـ صوت من داخلي يسأل مستهجنا: هل تظن انك، اذ ذاك، تسطر بطولة او ترسم لمن هم في مثل حالتك نموذجا؟ وارد: لا! وان كنت هنا اشعر ان الغرور يلامس كلماتي. ففي الاولى ـ أي الاستقلال والاعتماد على النفس ـ من حقي ان افتخر بنفسي لانه رغم شدة اعاقتي (شلل رباعي كامل)، واصلت العمل واجتهدت، قدر استطاعتي، طوال هذه السنين في ان لا يكون وجودي في الوظيفة شفقة او احسانا ـ وان كان امتناني لعدد من الناس الذين آمنوا بي واتاحوا لي الفرصة لاثبات ذاتي وامارس انسانيتي لا تفي الكلمات حقه. اما الدمعة والانة، فانا لست بهما بطلا ولا اطلب بطولة، وانما حريصا على ان لا افتح للاعاقة ثقبا تبث منه السم في روحي مثلما قتلت به جسدي. ولولا هذا العناد لمزقت معاولها نفسي اشلاء!  


 

 

[المحتويات|مذاق الصبر|نقد|قصص|نصوص|شعر|خواطر |السيرة الذاتية|مقالات| للمراسلة|دفتر الزوار]