الكاتب محمد عيد العريمي لـ "أصوات":
هذا الكتاب كتبني!
|
|
حاوره:
خالد عبد اللطيف ـ المحرر الثقافي
بجريدة الوطن
|
العبرة
ليست بالكم الإبداعي المنتج وإنما
بأهمية هذا المنتج وقيمته الإنسانية
والإبداعية وجدته وتوفر معايير الخلق
والإبداع والتفرد.. ربما هذا ما جعل "أصوات"
تتجه لمحاورة الكاتب المبدع محمد عيد
العريمي الذي أصدر حتى الآن كتابا
سرديا واحدا هو "مذاق الصبر"
والذي حوى في جانب كبير منه سيرته
الذاتية.. تلك السيرة التي تطرح نفسها
ضمن نسق أدبي شديد الجرأة والخصوصية
والشفافية في محاولة استثنائية للرصد
الإنساني عبر تجلياته وهواجسه
المختلفة ومن خلال تداع فكري جميل
يستشف إمكانية المثول أمام الآخر
والتماثل معه رغم ما قد يبدو من بون
منظور في اطر التجربة الذاتية واختلاف
""قدري في مآلات المبدع وصيرورته.
"أصوات"
عبر الحوار مع محمد عيد العريمي تحاول
اجترار ذاكرته واستدعاء لحظة الكتابة
نفسها وما يرافقها من طقوس تختلف من
مبدع لآخر كما تنظر في ذات الأفق الذي
يراهن عليه محمد عيد العريمي وما يلونه
من إرهاصات لفعل أدبي قادم.. لكن يظل
"مذاق الصبر" هو المحور الأساسي
في هذه الحوارية لاستنباط الوعي
المعرفي لدى هذا المبدع الذي يملك
تجربة إنسانية جديرة بالانتباه
والاهتمام مثلما أشارت إليها رائعته
الأدبية "مذاق الصبر".. فإلى متن
الحوار:
1ـ ماذا حدث؟
تعرضت عام 1983 لحادث سير في الطريق ما
بين صور ومسقط حيث كنت متوجها الى مطار
السيب، ومنه على متن طائرة شركة تنمية
نفط عمان المتوجهة إلى حقول النفط
بمنطقة مرمول في الصحراء العمانية
عندما اعترض طريقي جملان. كبحت الفرامل
وتضرعت لله أن تبطئ السيارة سرعتها
وتتوقف قبل الاصطدام بهما، لكن
السيارة واصلت الانزلاق وصدمت أحدهما
بقوة رفعته عاليا ليرتطم بسقفها ويهوي
بثقله على رأسي. بعد اسعافي واجراء
الفحوصات التشخيصية تبين انني اصبت
بكسر في الفقرة
السادسة من العنق وبالتالي تهتك في
النخاع الشوكي وهذا يعني اني فقدت
القدرة على الاحساس والحركة في
الاعضاء التي تقع اسفل موضع الاصابة من
الظهر.
2ـ حدثني عن حياتك
قبل الحادثة؟
زاخرة
بتنوع الامكنة والوجوه والثقافات.
فقبل عام من تاريخ الحادثة رجعت الى
السلطنة بعد ان انهيت دراستي الجامعية
في الولايات المتحدة وحصلت على شهادة
بكالوريس في الهندسة. وقد اتسمت مسيرة
حياتي الدراسية بالترحال الدائم بحثا
فرص افضل للتعليم: بدأت من
وادي المر بالمنطقة الشرقية من
عمان على تحوم صحراء لا يسكن فيافيها
الا الريح والخواء في الارض والسماء،
حيث لا ظل لشجر غير تلك النباتات التي
تينع في لهفة للنمو وترك بذور لزخة مطر
قادمة لا احد يعلم ـ غير الواحد الأحد ـ
متى ستأتي وكم ستطول!
ويمكن
القول أنى لم أقرأ كلمة ولم اشاهد
كتابا ـ غير القرآن الكريم ـ حتى بلغت
العاشرة من العمر تقريبا. ثم انتقلت
اسرتي الى صور، وهناك دخلت مدرسة تحفيظ
القرآن وبعدها رافقت والدي في سفينة
العائلة التي كانت تجوب بحر العرب من
اقصى شمال الخليج العربي الى المكلا في
اليمن. وعلى سطح السفينة المبحرة في
بحر العرب بدأ مشواري مع عالم الحروف
والارقام.
وتابعت دراستي الاساسية متنقلا ما
بين عدة مدن خليجية: مسقط، ابوظبي،
الدوحة، الخبر، والكويت. ثم واصلت
تعليمي الجامعي في ولاية أوهايو
بالولايات المتحدة الامريكية. وبعد
عودتي من امريكا تزوجت اولا ثم التحقت
بالعمل في شركة تنمية نفط عمان.
وخلال هذا المشوار الحافل بالتنوع
البيئي والحضاري والثقافي ظلت روح
البداوة التي فطرت عليها مع ولادتي
كامنة بداخلي الا انها لم تكن يوما
عائقا دون الاندماج والتعايش بانسجام
مع المجتمعات المختلفة والمتباينة
التي عشت فيها. وخلال مراحل مختلفة من
ايام الدراسة تعلمت معني الاعتماد على
الذات وجربت العوز، لفترة قصيرة،
وعرفت الفقر وجربت الحرمان من ملذات
الدنيا ولو قليلا.. وتبرعت بدمي للحصول
على بضعة دنانير لكي اشاهد مسرحية
واذهب الى السينما واتناول وجبة عشاء
في مطعم فاخر. وعملت طباخا وصباغا خلال
بعض الاجازات الصيفية.
3 ـ وانت من عاش حياة التنقل
والترحال.. كيف واجهت حقيقة انك اصبحت
معاقا ومعدوم الحركة؟
جسديا لم يطرأ عليّ تغيير بسبب
استخدم الكرسي المتحرك للتنقل من مكان
لآخر بدلا من قدمي، ولكن الاعاقة دون
شك اخلت بحياتي على كافة مستوياتها:
الصحية، الاجتماعية، الزوجية،
والوظيفية. وكان لا سبيل امامي سوى ان
اتصالح معها واقبل شروطها واتعايش مع
تبعاتها مهما كانت قاسية! وكان عليّ
اعادة بناء حياة جديدة على انقاض اخرى
تحطمت، وبناء احلام اخرى في اطار
الحدود التي تفرضها الاعاقة. ولعل ما
اشرت اليه في سؤالك حول تجارب التنقل
والحركة هي التي ساهمت في التغلب على
تأثيرات الصدمة الاولى!
4 ـ ما ملامح حياتك اليومية
الان؟
طبيعية الى الحد الذي بوسعى بلوغه.
الاحساس بالأهمية لنفسي وللآخرين من
خلال العمل والانتماء للمجتمع كفرد
نافع يثري حياتي اليومية ويمدني
بالقوة لمواجهة تحديات الاعاقة
اليومية وتجاهل تأثيراتها النفسية.
اودي عملي على اكمل وجه ولا اجل من
اعاقتي مبررا للتقاعس واستجداء الشفقة!
احتفظ بعلاقات اجتماعية نشطة بين
أهلي ومجموعة من الأصدقاء المخلصين
ممن يحيطوني بالعناية والاهتمام
ويضفوا البهجة على نفسي. ورغم تبعات
الاعاقة الصحية التي تحول دون ممارستي
لكثير من الانشطة اليومية والترفيهية
الا انني احاول قدر ما تتيح لي الظروف
الاستمتاع بالذهاب الى المرافق العامة
وحضور بعض الفعاليات الثقافية
والادبية والمشاركة فيها.
اقراء، ولا اكف عن محاولة الكتابة
سواء وجدت طريقها الى المطابع او الى
ملفات مكتبي. وفي السنوات الاخيرة
اصبحت الانترنت ثاني خير جليس.. ولا
اخاف على الكتاب منها!
5 ـ هناك من يظن ان لاعاقة اما
انها تقضي على من ابتلاه الله بها او
انها تصبح المقداح الذي يفجر طاقات
ومواهب كامنة ما كانت ستظهر لولاها..
أين انت من هذا وذاك؟
لا هذا ولا ذاك! ببساطة، وجدت نفسي
امام حالة لا انفلات منها. فكان لا خيار
امامي غير ان ارضى بشروطها واتكيف من
تبعاتها واواجه تحدياتها بكل ما يتاح
لي من أدوات.
وثمة مقولة شائعة ان "كل ذي عاهة
جبار!"، اعتقادا ان الاعاقة تولد في
صاحبها ملكة الابداع وتجبره على اكتساب
مهارات وتطوير قدرات يتفوق بها على
غيره من الناس تعويضا عن ما يفقده. وفي
هذا السياق هناك من يظن ان حاجتي
الضاغطة "للحديث عن اعاقتي" كانت
وراء كتابة " مذاق الصبر". وأنا
أرفض هذا تماما.
محاولة الكتابة بالنسبة لي ليست
تعويضا عن نقص او قصور اصاب جسدي، فانا
لا اشعر باي نقص
ولست مسكونا بهاجس
اثبات الذات للآخرين وبالتالي البحث
عن بدائل تعوض ما افتقده.
ولست مطالبا ـ ولن اقبل ان اكون مطالبا
ـ ان اكتب فقط لاني معوق وبالتالي فانا
مهيأ لهذا الدور.
اما بالنسبة لكتابة "مذاق الصبر"
فهي ليست سوى محاولة متواضعة اكتسبت اهميتها من قبول القراء..
محاولة اردت فيها كشف تجربتي مع
الاعاقة، وتوضيح ان التصالح معها لا
يعني قبول تبعاتها والرضوخ الى
شروطها، وانما يعني توظيف
تلك التبعات
والشروط الى مقومات شخصية تسهم في
الاقتناع بالذات والرضا بها والاعتراف
بحقها الكامل والغير منقوص في الحياة!
ولم تكن الاعاقة بحد
ذاتها المحرك الأساسي للكتابة عن
الذات والكشف من خلالها عن عمق التجربة
واشكالية تفاعلها الاجتماعي، إنّما
الدافع كان ايضا ـ اضافة لما سبق ـ حسي
ان لدي ما قد يستفيد منه الآخرون سواء
من هم في وضعي الصحي او آخرين قد يجدوا
في تجربتي ما يفيد وينفع.
6 ـ أين
البداية في تجربة الكتابة؟
قصة قصيرة
بعنوان "هلوسة في يوم غائم" حصلت
على المركز الاول في مسابقة محلية وهي
لا تستحق المركز الاخير. كانت هلوسة
بكل ما تعنيه الكلمة الا ان لجنة
التحكيم رأت فيها ما لم أعنيه! ومع
المركز الاول جاءت جائزة قيمتها مبلغا
من المال يعادل نصف راتب شهر موظف
محترم! وفوق هذا وذاك خرج علينا في
اليوم التالي ناقد ـ او هكذا قيل ـ
واترع صفحة
كاملة في الجريدة نقدا للقصص الفائزة
بالمراكز الثلاثة الاولى وأولها
هلوستي! وهكذا تطفلت على عالم الكتابة
من باب الهلوسة! وقبلها كتبت بعض
المقالات السياسية المتواضعة وجد
القليل منها طريقه الى القراء في
حين كان مصير اغلبها الاهمال.
7 ـ "مذاق
الصبر" كان اصدارك الاول ورغم ذلك
حظي باستقبال طيب بين القراء والنقاد
ايضا.. لماذا؟!
اجابتي على هذا
السؤال ستكون ناقصة لذلك سأكتفي بما
قاله الناقد والاديب الدكتور ضياء
خضير في ورقة نقدية نشرت في جريدتي "الوطن"
و"الخليج" ".. إذ يكتفي
المؤلف بتقديم مادة خام، ولا يعني
بالشكل وطريقة الكتابة على الأسس
النوعية الشائعة، فليس لأنه يجهل أو
يتجاهل مثل هذه الأسس والقواعد، وإنما
لان الرغبة الضاغطة في الكتابة عن
التجربة ومحاولة الكشف عن ملابساتها
ضمن الوضع البشري الاستثنائي الذي
عاشه صاحبها، هي التي
تسبق ماعداها، وتجعل من الممكن أن
يحرز النص هذا القدر الطيب من النجاح
والتأثير... إنها الكتابة الحقيقية
البسيطة التي تهدف إلى التعبير عن وجود
مصادَر ومحاصَر في أعز ما يملك وهو
حريته". وكما فعل في
الجزء الأول يقدم "محمد عيد
العريمي" في الجز الثاني مادةً
خاماً جاهزة للاستخدام، من دون أن يفشل
في خلق شخصية مركزية نامية، وشخصيات
أخرى عديدة تؤلف ملامحُها وحركتها
وعلاقاتها بالبطل والمكان فضاءً
روائياً وأرضية حكائية بالغة الحيوية
والغنى".
8 ـ يواجه
الكثير من اصحاب التجارب الاولى متاعب
في طبع وتوزيع كتبهم.. هل مررت بالنفس
التجربة؟
هذه ظاهر يواجهها حتى المتمرسين
في الكتابة واسماء معروفة ايضا! لا
ادري اين الخلل، لكننا نحن دون ادنى شك
شعوب لا تقرا. فقد اظهرت احصائية
عالمية ان ما تنتجه دور النشر العربية
من البحر الى البحر يساوي سبع ما يطبع
في البرازيل.
وللاسف ان معظم المكتبات لا تهتم
كثيرا بتوفير الكتب الادبية قدر
اهتمامها بعرض الكتب الاخرى.. كتب
الطبخ وتفسير الاحلام وسواها من الغث،
وان توفرت ستجد انها مركونة في زاوية
لا تليق بالاعمال ومستوياتها
الابداعية. ولقد تلقيت رسائل عديدة من
دول مجلس التعاون يسأل اصحابها عن مكان
الحصول على الكتاب بعد ان اطلعوا على
عرض له في احد مواقع المنتديات وشاركوا
في المداولات التي جرت لتقييم خصوصية
التجربة. واثر ذلك اتصلت بمجموعة من
دور التوزيع في هذه الدول الا اني لم
اتلقى، وللاسف الى حد الآن، ردودا من
هذه الدور. اما في دولة الامارات
فقد أبدت "مدينة الشارقة للخدمات
الانسانية" مشكورة استعدادها
لتوزيع الكتاب خلال الفعاليات التي
تنظمها والمعارض التي تشارك فيها. كما
أبدوا استعدادهم بناء على طلبي
الاتصال بدار للتوزيع الا ان مبادرتهم
الطيبة لم تلق تجاوبا لدى دار التوزيع
التي خاطبوها حيث برر اصحاب هذه الدار
رفضهم بأن مكان هذا النوع من الكتب
اجنحة معارض الكتب وليس أرفف المكتبات.
أما هنا في عمان فان الكتاب متوفر في
معظم المكتبات وركن الكتب في المحلات
التجارية.
9ـ
ما هي الرسالة التي اردت توصيلها؟
عندما فكرت في
كتابة تجربتي مع الاعاقة كان لا بد من
تحديد موضوع الكتابة والغاية منها.
ولقد كنت على قناعة ـ ولا زلت ـ ان
اعاقتي بذاتها ليست نموذجا لاستخلاص
العبر وانما تداعياتها وتفاعلها مع
المحيط الاجتماعي اضفت عليها بعدا
عاما وحولت بعضا من المواقف الشخصية
الى ملامح تتجاوز الاطار الذاتي..
ملامح ربما يلمس بعض الناس فيها صورا
لاشخاص كان جل ما يربطهم بهم الشفة
والرثاء ليس الا. أي ان الكتاب لا
يستهدف الاخوات والاخوة المعوقين فقط
وانما الآخرين هم المعنيون أيضا. انها
محاولة لاثارة الانتباه او "لازالة
طنين الاسئلة" على حد قول احد النقاد.
انها محاولة للكشف عن الأبعاد
المختلفة لتجربة المرض والإصابة
وإعادة النظر في طبيعة وضعي الجديد
ووجود الآخرين من حولي وطريقة تعاملهم.
واستشهد هنا برأي الكاتب خالد الضنكي
حين يقول"..ألام كابدها الكاتب نتج
عنها شعور حاد بالانكسار، وفي هذا
الحداد المضاعف، يأتي الانبعاث الشبيه
المعجزة، ليبث الامل من جديد في كتاب
مذاق الصبر نعيش اجواء ومناخات القصة
سيرة ومواقف ترجنا من الجذر، وتأخذنا
الى الحزن بقوة في حين تبعث فينا
الابتسامة". ولعل هذه الهزة هي بعض
ما استهدفته في كتاب "مذاق الصبر".
10 ـ هل وصلت
الرسالة؟
اظن انها وصلت.
فالحفاوة التي استقبل بها الكتاب سواء
من قبل الاخوات والاخوة المعوقين او
تلك التي جاءت من الساحة الادبية، رغم
الجدل الذي اثاره حول ماهية شكله
الادبي ـ ما بين السيرة والرواية ـ
اقنعتني بعد طول تردد ان للصبر مذاقا
آخر حلو أقرب الى مذاق السكر.
ومن المدهش انها
عبرت الحدود ايضا! فقد كتب الاديب
والطبيب سليم صابر قراءات مطولة
للكتاب من منظور نفسي نشرت في عمان ـ
ومن المقرر نشرها في لبنان ايضا. وطلبت
مؤسسة بريطانية للاستشارات الطبية 30
نسخة لتوزيعها على بعض المراكز
والمستشفيات المعنية بعلاج وتأهيل
المعوقين. كما تلقيت دعوة للتحدث عن
الكتاب وعن تجربتي من المنظمين لمؤتمر
الهيئات الاهلية المعنية برعاية
المعوقين المزمع انعقاده في الدوحة.
11 ـ يتحدث الكتاب عن
طقوس للكتابة.. متى وكيف تكتب؟
اعود مرة اخرى واذكر بتواضع تجربتي،
وبالتالي فانا لا استطيع ان اتحدث عن
طقوس معينة للكتابة. كل ما استطيع قوله
عن كتابة القصص القصير هو انني اعود
الى الماضي القريب استوحي منه بعض
التجارب الحياتية التي عشتها او
عايشتها او سمعت عنها! حكايات اشخاص
كانت حياتهم استثنائية حيث اوظف هذه
الشخوص في نصوص تكون احيا مباشرة
وتستهدف قضية معينة او تتحايل على واقع
الحال من خلال إسقاطات غير مبهمة.
12
ـ "مذاق الصبر".. كيف طعمه، وما نوع مذاق
الكتاب الثاني؟
كان
دون شك مرا وعلقما في بدايته
إلا ان الايام كانت
كفيلة بتخفيف حدة مرارته، بل انه اصبح
بمرور الايام اقرب الى السكر
منه الى العلقم! فالخسارة تكون في
اولها موجعة وثقيلة
ومرة ايضا على من تقع عليه، إلا ان قبول
الخسارة والاعتراف بها وتحويلها الى أداة
فاعلة وايجابية تساهم في ردء خسائر
اخرى اكبر واشد مرارة هو ما حول
الهزيمة الى نصر
والضعف الى قوة!
اما
مذاق الكتاب فكان شهدا.. هذا الكتاب
كتبني! لقد استقبل
الكتاب بحفاوة اثارة دهشتي. وفي
البداية كنت كلما قرأت اطراءً او
اسمعته اجد نفسي مدفوعا الى تصفح ـ ليس
الكتاب بعد طبعه ـ وانما المخطوطة
النهائية التي اشعر بألفة اكثر معها ـ
بحثا عن هذا الحضور الذي حظي به الكتاب
في نفوس القراء على مختلف مستوياتهم.
الاستقبال
الطيب هذا دفعني إلى إعادة قراء النص
بحثا عن بعض مني كنت اجهل وجوده! فأن يقول ناقد
واديب له صوت مسموع في الساحة الادبية
العربية عن الكتاب "
هذا كتاب فريد في بابه، يحتل، أو ينبغي
أن يحتل، مكانة متميزة بين الأعمال
الأدبية الخليجية والعربية المشابهة"
فهذا دون
شك جعلني اعاود التفكير في معاودة
الكتابة. ورغم
ان لدي ملامح عامة للمحاولة القادمة
الا انني سأظل مسكونا بهاجس الوقوع في
فخ الكتابة اذا لم اتسلح بالأدوات التي
تتيح الخوض في عالم الكلمة أو العودة
سالما الى بر الامان متى شعرت ان الموج
اكبر من ان يقاوم بمجاديف واشرعة واهية.
13
ـ الكتابة
تخلد صاحبها.. هل كان مذاق الصبر وسيلة
للبقاء؟
نعم..
الكتاب كيانا حيا وخالدا، فاذا وقع
يوما ـ بعد سنة او ألف ـ في يد شخص فانه
بالفعل "خلد" اسمي. لكن هل هذا
يعني لي شيئا الآن؟.. لا! انما يعنيني
الان هو ان الكتاب ذكر بعض
اصدقائي القداما بي بعد طول انقطاع
وأنا سعيد جدا بتواصلهم معي من جديد.
وانه دفع آخرون للتعرف عليّ لا لشي سوى
انهم استطابوا "مذاق الصبر" وان
كان مرا! وان استلم رسائل عديدة تعبر عن
استحسانها للكتاب واحدة من شاعر مبدع
لم اتشرف بمعرفته ايضا يهنئني بصدور
الكتاب بجملة "كل كتاب وانت بخير".
وان ينظم شاعر لم اتشرف بمعرفته وان
كان يجمعنا الاسم الاخير قصيدة رائعة
احتفاء بصدور الكتاب.
الجزء التالي لم
ينشر
14 ـ احدى ميزات كتابك
الشفافية وخصوصبة الموضوع.. لكن ثمة
زوايا غائبة؟
ان حياة الانسان ـ
أيا كان ـ نتاج ماض لا يقتصر على تجاربه
الذاتية فقط، وانما تتداخل معها تجارب
ناس آخرين. وثمة خصوصيات في حياة كل منا
يشكل البوح بها حرجا ليس لصاحبها وحسب،
بل ايضا لمن كانوا اطرافا في هذه
التجارب، وهذا ما جعلني اتحاشى ذكر
تفاصيل لا يحق لي الخوض فيها!
لقد وضعت نصب عيني تسجيل العموميات
التي تخدم الغاية من هذه الكتابة
فتوقفت عند المفاصل الاساسية من
تجربتي ودونت ما اعتقدت انه يخدم هذه
المحاولة دون التطرق الى ما لا يضيف
اليها شيئا.
15 ـ هل ثمة ما تسعى
للوصول اليه؟
ليس لدي ما اسعى للوصول اليه، ولكنى اسعى
للحفاظ على ما املك.. حب الناس. كل ما
يهمني الآن هو ان يكون غدي كما كان يومي
بالنسبة لامسي!
انا لا اعيش بسعادة مع اعاقتي ولكني
اعيش بانسجام تام مع نفسي.
طبعا أشعر بحسرة
على ما تحول الاعاقة ودونه، لا بل
بحسرات.. ولكن لا ادعها تتحول الى هاجس
او مرض يزيد من اعباء الاعاقة. اعتقد ان
الكلام سيطول اذا فتحت بابا احرص دائما
على جعله مغلقا!
15ـ هل تظن ان ثمة
فرادة في حياتك؟
غير ما هو ظاهر لا شيء! وان كنت اظن ان
عشرين عاما من التعايش مع الاعاقة
تجربة لا بد انها تؤثر على سلوك
الانسان. فشعوري
بذاتي يشكل اهمية بالغة في صياغة اسلوب
علاقتي بالآخرين. وهي قناعتي انني شخص
جدير بالاهتمام! بالتأكيد لي هفواتي
واخطائي وسلبياتي، لكني ايضا ـ ودون
تواضع لا مكان له ـ املك خصالا يفتقرها
كثيرون. فانا منسجم مع
ذاتي وواثق من نفسي واعتز بما استطعت
انجازه طوال هذه السنوات من حياتي
كمعوق. صادقا مع نفسي قبل ان اكون مع
الآخرين، ولا اتردد في التعبير عن
قناعاتي بصوت مسموع لكني ايضا اجيد
الاصغاء. اقول
"لا" عندما اظن انها الرد الصحيح،
واقول "نعم" بارادة لا تنقصها
القناعة ولا تفرضها الظروف او الاحساس
بمركب النقص.
ـ
*
جريدة الوطن _ الملحق
الثقافي اصوات/ الثلاثاء 1
اكتوبر 2002
|