|
"
بحيرات الصبر "
"
مذاق الصبر "
كتاب ٌ لم أتردد لحظة ، و أنا أهمُّ باقتنائه ، فور وقوعي عليه ، أثناء مروري بذلك الرفّ المنزوي
بمكتبــة ٍ مــــــــــــــــا ..
قلبتــُــه سريعاً .. بعد أن شدني عنوانه ..
و ابتسامة ٌ بدت جلية ً على وجه صاحب الكتاب ..
لم أكــن أدري أن هذه الابتسامة قد خـُـــلدت لغرض ٍ ما ..
أن من يمتلك هذه الابتسامة ، كفيل ٌ بمواجهة أعتــى الصعاب .. و اختراق حجب الألم و المعاناة ،
ثم امتشاق صهوة ضحكه ..
سادت السكينة ُ تلك الليلة التي قررتُ فيها الركون إلى قراءة هذا الكتاب .. نفرتُ من كل مؤثرات ٍ خارجية ، و أخرست ُ حتــى الهاتف ، ربما لشعور ٍ خفي راودني ، بأنني سأخوض ُ " بحيرات الصبر "
مع إنسان ٍ غير عادي .. و هكذا كان
"
ملامح "
الملمح الأول : (( روح
ٌ جسورة ))
إنه لمن الملفت للنظر ، و
للوهلة الأولى ، أن تتبدى
شخصية
(( محمد عيد )) كشخصية غير عاديه ..
فهو لم يخرج من هذه المحنة بهذه
القوة ، بمساعدة أسرته ، أصدقائه،
د. هارفي ، و زملاء
العمل فقط ..
بل أن الروح الجسورة التي
تـسكنه كانت الدعامة الأولى ، التي
استند عليها لـتــذوق مرارة
الصبر بجلد صلد ..
في عتمة ليلة "
ناد " فيها
القمر ، بالرابع
عشر من يوليو 1981
..
يدقّ لنا (( محمد عيد )) الناقوس
منبهـاً إيانا لجسامة حدث آت ..
قال :
" و قد تفاجأ
بوجود جملين بمواجهته على
الطريق
" :
" و بسرعة مائة
كيلومتر في الساعة ، و في جزء من الثانية ،
ليس
أكثر كان علـيّ اتخاذ
القرار المناسب
لتلافي الكارثة .."
يقودنا
من خلاله عبر خلايا تفكيره ، أثناء تلك
اللحظة ، و ما سيستقر
عليه
من قرار .. قال :
" اخترت الثالث
منهم " و هو " كبح الفرامل و التضرع
لله أن تبطـئ
السيارة سرعتها .."
استسلام ٌ كامل ٌ لقضاء الله و
قدره .. فقد " واصلت (
السيارة )
الانزلاق نحو الجملين ،
فصدمت أحدهما بقوة ،
رفعته عالياً ليرتطم
بسقفها و يهوي على رأسي .."
ثم يخلص إلى قوله ..
" و أكاد
أنفجر بالصراخ ، و لكني أتراجع متسائلاً
" ما فائدة أن أبكي ، و أصرخ ، فالغضب لن
يجديني نفعاًً .. "
فإذا كانت الحادثة أصابت عضلات جسدي بالشلل فهي لم تبلغ دماغي ، فلا زلت
أحتفظ بعقلي ولا يستطيع المرض إيقافه أو
يحد ّ من نشاطه ، و أدعو الله أن يمدّنـي
بالقوة .. "
و هذا مظهرٌ
آخر للروح الجسورة التي رسم معالمها كتاب
(( مذاق الصبر )) ..
الملمح الثاني : (( الإعاقة و تبعاتها ))
في رحلة معايشته
للإعاقة من عمان إلى بريطانيا .. ينتقل بنا
(( محمد عيد )) من عالم أوصد أبوابه إلى آخر
يفتح له " مغاليقه " .. من الحركة إلى
نقيضها قسريـّـاً ، فيخرجـنا من سيرة
ذاتية لتجربة إنسانيـة
ما ، إلى عالم الإعاقة ، و تلمس أبعاده
.
عالم ٌ يـُجهزنا ((
محمد عيد )) من
خلاله للتساؤل ..
من هو المعوق ؟ كيف لنا أن نتعامل معه..
؟ كيف ننظر إليه ، هل نشعر ُ به ؟
هل ننافقه ؟ هل نحسـن التصرف حياله
..؟ هل نقبله ؟ هل نمتعض ُ من مجرد وجودنا حوله
..؟
هل من حقه الحصول على فرصة ٍ أخرى بحياة ٍ كريمة ٍ في خضم مجتمع ٍ صاخب الحركة ، فوضوي ، قاس ٍ ، متسـرع ٍ ،
بارد
ٍ في أغلب الأحيان ؟
!!
أسئلة كثيرة تبدأ بــ (( هل )) و لا تنتهي قط ..
ربما لو قرأنــا و فهمنا ، لوجدنا إشباعاً لنهمنا في طيّــات هذا الكتاب
..
يبدو (( محمد عيد )) هنا
شديد الحساسية باختياره لبعض المواقف التي يمررُ من خلالها بعض الإيماءات التي تقول لنا الكثير
.. الكثير
خذوا مثلاً قوله :
"
بعضهم لا يتجاوز مجال رؤيتهم أطراف أنوفهم ، و يصعب عليهم النظر إلى المعوقين أبعد من الأجهزة التعويضيــة " ..
و يسردُ تحت هذا العنوان ما يشعر به المعوق إزاء " النظرات المستغربة " كلما ارتاد الأماكـن
العامة من انزعاج ، ارتباك ، و بغض .. ثم رغبة بالهرب ..
ما للمعوق ، و ما عليه نحو مثل هذه المواقف ، و دور المجتمع في استيعاب المعوق ، و تغيير
نظرته العامة بهذا الخصوص .. و استبدال السلوك السلبي ،
بآخر إيجابي
..
مثالٌ آخر هو قصته مع تلك الممرضة التي راحت تتحاشى الحديث مباشرة ً معه ، مختارة ً توجيه
أسئلتها عن ))
محمد (( إلى مرافقه .. قال :
" لم اعترض على سير الحوار حتى أنهت حديثها ، و عندما تحدثت إليها ، التفتت إليّ و كأنها
تكتشفُ وجودي لأول مرة ، قلتُ لها و بأسلوب هادىْْ جداً و تهكمي جداً أنها أضاعتْ وقتي
و وقتها ، فصاحبي لا يجيدُ التحدث بالإنجليزية ، وكان الأحرى بها أن تتحدثَ إليّ مباشرة " ..
أما حكايته مع صاحبه الأجنبي الذي دعاه على العشاء
.. فحكاية ٌ مضحكة ٌ مبكيه
..
و لا تخلو من نقد ٍ لاذع من (( محمد
عيد )) حين يؤلمنا بصراحته ..فنمضي نتساءل بحق ..
هل نفكـر ُ ، يا جماعه ، عادة ً بالمعوقين
، عندما نبني الصروح العظيمة ، من فنادق ،
نواد ً ،
إلى أماكن للترفيه
.. و غيرها
.. هل نشملهم بصدق برعايتنا ، أم أننا نتدثر بأنانيــتنا المفرطــة ..!!
و هذا غيض ٌ من فيض ..
تابع
...
|