|
مذاق الصبر: بين السيرة الذاتية
والنسيج الروائي
ليس
من السهل تصور معاناة انسان اعتقد انه
وصل الى مرحلة متقدمة في لملمة شتات
نفسه، واذا بعواصف التغيير تأتي عليه
وتدمر وجوده الانساني، بحيث يعجز عن
الحركة والعودة لممارسة حياته
الطبيعية، ليصبح في حالة من الذهول
تتحول الى حيرة تلد ألما قاسيا، وهو
يرى جسده قد تهالك، احلامه وما بناه قد
هدت، ولينشغل مرة اخرى في محاولة
مستميتة لاعادة الاشياء الى نقطة
التوازن.
كتاب
مذاق الصبر يذكرنا بوهج الحياة الذي
يختفي مخلفا وراءه صورة الاعزاء الذين
خطفتهم منا الحياة في شيء اشبه ما يكون
بالغفلة.
مأساة
كارثية تعرض لها الكاتب محمد عيد
العريمي؟ اثر اصطدام سيارته بجمل (1981)
هذا القدر غير المألوف، ادى الى اصابته
بشلل رباعي، ألام كابدها الكاتب نتج
عنها شعور حاد بالانكسار، وفي هذا
الحداد المضاعف، يأتي الانبعاث الشبيه
المعجزة، ليبث الامل من جديد في كتاب
مذاق الصبر نعيش اجواء ومناخات القصة
سيرة ومواقف ترجنا من الجذر، وتأخذنا
الى الحزن بقوة في حين تبعث فينا
الابتسامة.
كتاب
يحتوي على خصائص وانماط السرد القصصي
لولا الحقيقة التي كشفت عن طبيعة
الحال، والتخطيط لجعل العمل سيرة
ذاتية وجاءت في توظئة الجزء الاول، من
الكتاب الذي يشتمل على جزءين مذاق
الصبر والريحان والدخان. ثمة تساؤلات
تقفز الى الذاكرة ناتجة عن حالة
استفزازية ولدها الابداع: لماذا
السيرة الذاتية ما طبيعتها وما
أبعادها؟ أليس بالضرورة ان تكون كتابة
السيرة الذاتية محض تجربة عميقه
مرتبطة بالابداع الكيفي والكمي،
وبسيرورة الحياة وبتحولت المكان وعلى
صلة وثيقة بالمعطيات الفكرية والشيء
الاساس لا بد لكاتب السيرة الذاتية ان
يكون قد بلغ درجة متقدمة من التحرر
الفكري والاجتماعي.
هذا الاصرار العنيد الذي اخضع مذاق
الصبر لفعل السيرة الذاتية اخل بالعمل
الى حد ما.. ربما كان التوجه من حيث ان
الحادثة قاسية وكحقيقة مؤلمة للحياة
دفعت الكاتب لأن يؤطرها في موضوع
السيرةة وبشكل آخر ربما كان التصور ان
فداحة الصدمة والوعي الذاتي والتجربة
المشبعة بالصور المأساوية، عناصر
كافية لاثراء الموضوع في عملية بناء
السيرة الذاتية.
طرح
الكاتب تساؤلات شكلت صدمة لنا من حيث
ادراكنا لمدى تأثير تحديد اطار معين
لطبيعة الكتابة بالنظر الى لمن اكتب؟
ثم لماذا وماذا اكتب؟ والتي اوردها
الكاتب في مقدمة الجزء الاول، وتركها
تلهث دون اجابة حتى الورقة الاخيرة. من
الكتاب من 227،228 ثم تأتي الاجابة بان
اليست "؟؟
للخروج من أزمة، كما يرى صديقه الذي
واجهه بهذا المنطلق؟ "وانما هي
معاناة شديدة تحمل في طياتها ما يشبه
الاضطهاد بعينه" عندئذ تصبح الكتابة
ضرورة داخلية ملحة بدافع الرغبة،
وليست غاية محكومة بمعايير ثابته، وقد
تبدو في الافق اشكال اختلافية حول
طبيعة الكتابة ولكننا نعني بذلك
الابداع. بالتاكيد كانت اجابة الكاتب
عن ماذا ولماذا الكتابة، دقيقة وحتمية
حين ربطها بالحاجة الضرورية للكتابة
ولكننا نتلمس التباسا قد يؤدي الى
اخفاق حين تبدو الكتابة موجهة
للقارىء، وهي رؤية فادحة لا تقل شأنا
عن فداحة الصدمة التي ولدها الحادث،
هذا التساؤل ذو العقل الأستدلالي.. لمن
اكتب؟
حال
كثيرا دون اطلاق المحيله، وحد من
تداعياتها، في حين نجد في كتاب "مذاق
الصبر" الاشتغال على الذاكرة وحلم
اليقظة الذي يتجاوز رتابة اليومي
وخطية الزمن والحالات الداخلية
الانكسار والهواجس والواقع وتناقضاته
وعلاقته بالحالة، وذاكرة الطفولة التي
تتحرك بين الصحراء والبحر في محاولة
للربط بين اباريق الطفولة وبين وضع
يفقد فيه الانسان ابتسامة الرضى في
الحياة ويغدو الفرح بعيد المنال يمر
عبر مسافات مغلفة بالغموض والرهبة من
المستقبل.
حضور
مكثف لذاكرة الطفولة، ساطع كالبحر في
محاولة لازاحة طنين الاسئلة والملل
المتراكم في النفس.
وهكذا
وبعد ان يدخلنا محمد عيد في عالم شبيه
بغابه ملأى بالحيوانات المفترسة
والزواحف الضارية ينقلنا الى الفرج
ويحكي عن الالعاب والمقولات الشعبية
والفنون التقليدية والاسواق ومسائل
البيع والشراء والحكايات والمواقف
التي تدور حولها، الصحاري وطبيعة
الحياة فيها بكل ضراوتها، ويحدثنا عن
مدينة البحر ونظم الحياة فيها
والعادات والتقاليد ومقتطفات من مشاهد
صراع الانسان مع البحر يحدث هذا في
حركة انتقالية بين الصحراء والبحر.
ونتابع
مع العريمي تداعيات الصدمة الصاعقة،
الموضوعي: ومسألة التأثير والتأثر
بالمواقف والشخصيات في المحيط
الاجتماعي، نذكر على سبيل المثال -
شخصية أبو صلاح شيخ المستشفى الذي
استطاع ان يتكيف مع اصابته بأسلوب فذ.
وشخصيته ابو مشعل وهو يواجه صعوبة
التفاهم مع العاملين على خدمته،
وشخصية "فال" التي تتعامل مع
المهنة بأسلوب انساني عظيم وشخصية "بول"
وغيرهم شخصيات أخرى عربية وأجنبية،
صديقة وعائلية اجتمعت في لغة حوارية
شبيهة بالتوحد. ثم نتابع الجانب الذاتي:
المحاصر بليال مسكونة بالقلق،
والاكتئاب والاضطرابات التي تنقض
كالريح في تداخل الموضوعي بالذاتي، في
اطار عوالم مربكة وعنيفة وعطاء زاخر
بالقوة المكثفة وبالايمان بأن الانسان
قد يحطم، ولكنه لا يهزم احداث تتصاعد
وتتطور في نسيج روائي تحده أحيانا
تقاطعات اللغة التقريرية القائمة على
المعلومة العلمية عن الحالة المرضية
والوصف المباشر للأمكنة دون دمجها
بالنسيج السردي على صعيد الحدث، مع
اهمال صريح لذكر التفاصيل الصغيرة
المتصلة بالمواقف والشخصيات، هذا
اللاشيء الذي يتمحور حول التفاصيل
الصغيرة يعني الشيء الذي يدفع بالنص
الى فضاءات وأفاق المخيلة التي قد
تتدفق استجابة للموضوع، في تجليات
الحلم الذي بدوره ينتقل من الاشارة الى
لقة سردية جديدة توافق لغة الحلم ولا
تنفصل عن حلم اليقظة بتجاوزه للزمن
والاشياء المألوفة والذاكرة ايضا وما
يمكن ان تفضي به عند تخزينها قيما
ايحائية، قد تكون وجدانية او ذهنية
نابعة من التفاعل مع الاحداث
والافعال، والامكنة والاصوات.
وهنا
ينبغي التوقف مرة اخرى مع الكتابة
للقارئ التي تشدنا الى الواقع وتعمل في
الوقت ذاته على كبح جماح المخيلة في
تصوري لو اتجه محمد العريمي الى
التفكير لكتابة الرواية لكان المجال
أوسع وارحب من السيرة الذاتية، ولجنبه
ذلك احراجات كشف الاشياء او التعدي على
اسرار العائلة، على غرار سيرة الزوجة
التي اخذت منعطفا مثاليا في التعامل مع
الحالة، نبحث ولا نجد حالات الشعور
اللا ارداي في البشرية، ولا يختلف
الحال مع افراد الاسرة الاخرين،
والاصدقاء الذين سيطرت عليهم الاطر
العاطفية في عملية البناء الفني. وفي
هذه العجلة لا يسعني الحال الا ان أشير
بشكل صريح ان كتاب "مذاق الصبر"
وبالتحديد الجزء الثاني منه، يعد عملا
روائيا، بصوت عماني مسموع وقوي.
__
*
جريدة
عمان/ العدد 7513/ 27 ديسمبر 2001
|