Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

 

 
 

  عبق الماضي

على تحوم صحراء لا تسكنها الا الريح والخواء في الارض والسماء، وفي صباح يوم صيفي قائظ فتحت عينيي على غمامة حزن اطبقت على الناس والمكان.. وبين اصوات النحيب والعويل، حزنا على وفاة اخ لم يكمل عامه الخامس، ضاع صراخ ولادتي
ويبدو ان ذلك الاستقبال الفاتر لم يكن كافيا لتهميش حدث ولادتي، فقد اعطيت اسما لم يكن من اختيار احد، وانما فرضته تقاليد الصحراء ـ "عوض" ـ وهو عرف عند بعض البدو عندما يولد لهم طفل مباشرة بعد وفاة آخر في الاسرة.
هناك في وادي المر بالصحراء العمانية، ولم أكمل العاشرة من العمر بعد، تعلمت قراءة القرآن في الهواء الطلق تحت ظل شجرة، واتقنت غناء التغرود والطارق، وتدربت على ركوب الجمال وتصويب البندقية والضغط على الزناد. وسهرت على ضوء القمر ونمت تحت فوانيس النجوم وتطبعت باخلاق البدو وعاداتهم ونشأت على الاخلاص للقبيلة..هناك عرفت البادية: خصبها وجدبها.. حكاياتها واساطيرها.. تقاليد اهلها واساليب حياتهم.

ثم انتقلت اسرتي الى صور. مدينة ساحلية وديعة رابضة على شاطيء هلالي.. يحميها قرنان على رأسيي الهلال من البحر اذا اشدت ريح الشمال والسموم وتصد عنها سلسلة جبال راسية رياح الصحراء وهبوب الجنوب.

مدينة عشقت البحر وأحبها، وصنعت لرجالها سفنا قادوها الى مواني وبلدان كثر على جانبي المحيط الهندي. سفن حملت على ظهرها مهاجرين ورجال بعثات تبشيرية. ونقلت مرتزقة وتجار عبيد ومهربي اسلحة ورجال عصابات وثورا. وسافر على متنها سادة وأمراء.. باحثون وعلماء، وآخرون غيرهم كثر. وكانت ايضا نافذة الصحراء على العالم، والمحطة التي تلتقي عندها سفن الماء بسفن الصحراء!".

القراءة والكتابة

يمكن القول أنى لم أقرأ كلمة ولم اشاهد كتابا ـ غير القرآن الكريم ـ حتى بلغت العاشرة من العمر تقريبا. وعندما انتقلنا الى صور ـ وكعادة اصحاب السفن في تلك الاونة اصطحبني والدي في سفينة العائلة التي كانت تجوب بحر العرب من اقصى شمال الخليج العربي الى عدن في اليمن. وعلى سطح السفينة المبحرة على طول ساحل الجزيرة العربية تعلمت مبادئ القراءة والكتابة.

ثم تابعت تعليمي الاساسي متنقلا بين مدن الخليج العربي: صور، مسقط، الخبر، الكويت، ابوظبي، الكويت مرة ثانية، ثم الدوحة.  واكملت دراستي الجامعية في الولايات المتحدة الأمريكية حيث حصلت على شهادة بكالوريوس علوم في الهندسة الصناعية. وبعد عودتي من امريكا التحقت بالعمل في شركة تنمية نفط عمان.

وخلال هذه التجربة التي اتسمت بالتبائن البيئي والحضاري والثقافي ظلت روح البداوة التي فطرت عليها كامنة بداخلي الا انها لم تكن عائقا دون الاندماج والانسجام مع افراد المجتمعات المختلفة والمتباينة التي عشت فيها.

وخلال مراحل مختلفة من ايام الدراسة تعلمت معني الاعتماد على الذات وجربت العوز ولو قليلا.. وتبرعت بدمي للحصول على بضعة دنانير لكي اشاهد مسرحية واتناول وجبة عشاء في مطعم فاخر واعزم اصدقائي لمشاهدة فيلم "خلي بالك من زوزو". 

مذاق الصبر

في ليلة لم يطلع عليها ضوء قمر، وفي الطريق الى موقع عملي بحقول النفط في الصحراء العمانية، اتخذت حياتي منعطفا آخر عندما اعترض جملان طريقي فصدمت السيارة أحدهما بقوة رفعته عاليا ليرتطم بسقفها ويهوي بثقله على رأسي. وكان ذلك الأسبوع الأخير لي في ذلك المكان النائي من عمان قبل إجازتي السنوية والسفر لقضى شهر عسل طال انتظار زوجتي له.

من التشخيص الاولي لحالتي وفرص الشفاء، عرفت انني تعرضت لإصابة في العمود الفقري عند موضع الفقرة السادسة من العنق: أي بمعنى آخر أصبت بكسر في الرقبة. وألحقت الاصابة ضررا بالجهاز العصبي وأثرت بالتالي على قدرة الحركة الذاتية والإحساس واخلت بوظائف معظم اجزاء الجسم اسفل مستوى الاصابة.

صبري نفد وطال الانتظار، امضيت اكثر من شهرين في المستشفى وحالتي ظلت دون تغيير.. كنت خلالهما مشدودا على سرير باربطة خاصة لتثبيت الفقرة المكسورة في الرقبة.. وأعني بمشدود انني لا أستطيع تحريك عضلة واحدة في جسمي سوى تلك التي تتحكم في وظائف الوجه، واقتصرت قدرتي على الحركة في عيني وفمي وحسب، ولم تكن لي قوة ـ حتى ـ على حك أنفي.. شهران امضيتهما إما محملقا في سقف الغرفة أو مغمضا عيني محاولا الهرب من واقع لا انفلات منه!

وبمرور الايام أخذ الاحساس بفداحة المأساة يكبر أكثر فأكثر، وتصاعدت وتيرة اليأس والاحباط، ووقعتُ فريسة للتفكير المستمر فيما ينبئ به المستقبل: شخص غير قادر على المشي والكتابة والاستحمام، عاجز حتى عن إنجاز أبسط الاحتياجات اليومية للإنسان.. تفكير أخذ يدفعني إلى حافة الجنون او يكاد!

وبعد شهرين ونصف تقريبا من وقوع الحادث قرر الأطباء أن السفر لا يشكل خطرا عليّ، شرط أن انقل بالجبيرة وعلى نقالة. وكانت الشركة قد رتبت لعلاجي في بريطانيا بمستشفي متخصص في تأهيل المصابين بالشلل.

وبعد ستة اسابيع من دخولي المستشفى قرر الطبيب أن الوقت حان لجلوسي على الكرسي المتحرك. فكانت تلك التجربة من اصعب المواقف التي اعترضتني في بداية فترة التأهل وخلال حياتي فيما بعد! فقد وجدت نفسي في عالم تحكمه قوانين الاعاقة وانا لا ازال افكر بعقلية الشخص السليم الجسد القادر على الحركة والمشي!

وكان البدء بتعلم اشياء بسيطة ـ في ظاهرها ـ كدفع الكرسي ومسك الملعقة او فرشاة الاسنان وتعلم الكتابة ـ من جديد ـ باستخدام اداة خاصة.. كان يثير في نفسي احباطا وتشويشا عظيمين.

وامضيت هناك نحو عشرة أشهر تلقيت خلالها العلاج الطبيعي والتأهيل المهني المناسبين وتعلمت كيف استخدم ما تبقى من عضلات جسمي على أفضل وجه، بيد ان شدة إعاقتي حالت دون تحقيق الكثير في هذا الجانب.

أما التأهيل المهني والتثقيف الصحي فكنت أفضل حالا فيهما لأسباب عدة، اهما إجادتي للغة الإنجليزية التي كانت العامل المؤثر في تقدمي في هذا المجال. فنظرا لولعي بالقراءة والمطالعة استطعت أن أكون حصيلة من المعرفة من خلال قراءة كثير من الكتب والمجلات والدوريات المتخصصة باصابات النخاع الشوكي والامراض المترتبة عليها.

التصالح مع الاعاقة

لم يطرأ عليّ تغيير بسبب استخدام الكرسي المتحرك للتنقل من مكان الى آخر بدلا من قدمي، ولكن الاعاقة دون شك اخلت بحياتي على كافة مستوياتها: الصحية، الاجتماعية، الزوجية، والوظيفية.

وكان لا سبيل امامي سوى التصالح معها وقبول شروطها والتعايش مع تبعاتها مهما كانت قاسية! وكان عليّ اعادة بناء حياة جديدة على انقاض اخرى تحطمت، وبناء احلام اخرى في اطار الحدود التي تفرضها الاعاقة ويحكمها وضعي الصحي الجديد.

لقد ادركت منذ البداية ان الرفض والاستسلام لن يجدي شيئا سوى العناء والشقاء. فكان عليّ تحمل معاناة الذات قبل آلام المرض.. والتصالح مع النفس قبل الجسد.. والاعتراف بالواقع قبل التشبث بالأمل.. والرضى بالمكتوب والقدر.

تبعات الاعاقة الجسدية والنفسية والاجتماعية كانت دون شك قاسية في بدايتها! فالخسارة ـ مهما كان شكلها ـ تكون في اولها مؤجعة وثقيلة، إلا ان قبول الخسارة والاعتراف بها وتحويلها الى أداة فاعلة وايجابية تساهم في ردء خسائر اكبر واشد هو ما حول هزيمتي الى نصر وضعفي الى قوة!

واحمد الله سبحانه وتعالى انه امدني بإرادةٍ مذاقها الصبر للتصالح مع ذاتي وتعزيز قدرتي على مواجهة تحديات الاعاقة وتقبل تبعاتها التي أصبحت فيما بعد واقعا عشته بإيمان وصبر. 

النظرات المستغربة والمتسائلة 


كان وقع النظرات المستغربة والمتسائلة التي اراها في عيون بعض الناس في الايام الاولى خلال ذهابي الى الاماكن العامة مزعجا.. مربكا، وبغيضا! فثمة اشخاص لا يتجاوز مجال رؤيتهم اطراف انوفهم ويصعب عليهم النظر الى المعوقين ابعد من الاجهزة التعويضية: كرسي متحرك وأطراف صناعية وسواها!

ويَفترض بعض الناس سلفا قصور القدرات العقلية والمهارات المهنية لدى الانسان الذي أبتلي باي نوع من القصور الوظيفي في أي جزء من بدنه، سواء قصور حركي، بصري، او سمعي.

ولعل هذه الظاهرة تعزى لمفاهيم اجتماعية مظللة، فلقد اعتاد الناس في مجتمعاتنا اعطاء احكام مسبقة قبل التبصر والتعقل، ففكر القوي ورأي سليم الجسد وقرار الغني هي الاصح وعداها لا! فمن فقد ذراعا هو في العرف ناقص.. والناقص لا يقود حتى وان كان عقله اقدر وفكره انضج ورؤيته اوضح!

وبعد مراجعة متأنية مع نفسي، قررت ان لا ادع مواقف كتلك تحول بيني والاستمتاع ببعض مباهج الدنيا. وكان عليّ ان اتصرف حيال ذلك بحجم المواقف نفسها. وبالانسجام مع الذات والثقة بالنفس والاعتزاز بها، استطعت تجاوز تحديات الاعاقة من خلال معالجتها بعقلانية بعيدا عن اية ردود انفعالية، و"فهم" ردود الافعال السلبية على اساس خلفيتها الاجتماعية ومن ثم استيعابها.. خاصة اذا صدرت من اشخاص يعوزهم الوعي وتهيمن على تصرفاتهم الغفلة.

وفي ضوء تجربتي، أوكد ان نظرة المعوق الى نفسه هي من اهم العوامل التي تغير التفكير والسلوك السلبي تجاهه. فإن قدَّم اعاقته للناس قبل ان يقدم نفسه ومهاراته، فان الآخرين سيعاملونه على ذلك الاساس.

فانا اقدم نفسي من خلال من انا وليس ما هي اعاقتي. اقول "لا" عندما اظن انها الرد الصحيح، واقول "نعم" بارادة لا تنقصها القناعة ولا تفرضها الظروف او الاحساس بمركب النقص.

ولعل احد الاسباب التي ولدت لدي هذه النظرة هي انني استطعت خلال سنوات اعاقتي الطويلة ان اعيش مستقلا ومعتمدا على نفسي. لم اطلب قرشا من احد، ولم ير احد دمعتي ولم تسمع اذن أنتي! ليس لقساوةٍ في القلب وإنّما تداركًا كي لا أفتح للدمع طريقا عبر العينين ولا افتح لمعاول الاعاقة ثقبا لتهديم ذاتي مثلما فعلت في جسدي!

 

كيف يتحول مهندس فجأة إلى مترجم


لم يكن من السهل بعد عودتي للشركة العمل في وظيفة لم تخطر لي على بال. فكيف يتحول مهندسي صناعي فجأة إلي مترجم؟ وكيف تتحول أدوات العمل وبيئته من أجهزة الحفر ومحطات تجميع انتاج النفط إلي طاولة وآلة كاتبة وقلم وممحاة وقاموس؟ هذا في جانب، والقدرة على استخدام تلك الادوات في جانب آخر.

ولان ما تقوم به اليد من نشاطات يعتمد كليا على الابهام واصبع السبابة، فقد كانت القدرات البسيطة مثل: مسك القلم او الملعقة امر لا اقدر عليه؛ وغدى تصفح كتاب او مجلة مهمة مستحيلة تحتاج لمساعدة الآخرين، فالاصابة سلبت منى ابسط القدرات الجسدية. وامام هذه التحديات ومثلها كان عليّ ان اجد وسائل او "اخترع" أدوات مناسبة استطيع بواسطتها انجاز عملي وتحقيق قدر ولو ضئيل من الاستقلالية.

ويبدو ان خلفيتي الهندسية وجدت لنفسها استخداما في سعي الدائم من اجل "صنع" ما يمكن ان يسهل متطلباتي اليومية.. وهي ضرورة فرضتها في البداية الحاجة ثم اصبحت فيما بعد اشبه بالهواية.

 

هواجس المرض والفقر والموت

 

لم تكن تبعات الاعاقة هاجسي لاني اخاف الموت ـ وذلك بامر الله سبحانه وتعالى ـ لا.. بل لاني اخشى الفقر. فقد مضت عليّ فترة قبل عودتي الى عمان من بريطانيا وانا افكر في اليوم الذي سياتي فيه زائر ـ قريب او صديق ـ ويخرج من جيبه بضعة ريالات يدسها تحت وسادة فراشي. يا الهي كم كنت اخشى هذا اليوم!

 

ولعل هذا الهاجس كان له دور رئيس على اصراري وعزمي على مواصلة العمل وتأمين حياتي ضد العوز والعيش بكرامة توفر لي الحصانة وتمنحني القوة لاقول "لا" او "نعم" متى شئت ولمن شئت!

وتفرض آلام الاعاقة ـ وهي كثيرة في مثل اصابتي ـ واشدها آلام "جذور الاعصاب" أحيانا عزلة قهرية ليست من اختياري، ويتعاظم في هذه الاوقات احساسي باعاقتي ويخيل لي انني في صراع دائم مع الآلام التي تزكيها هذه الاعاقة.. صراع نتائجه مغايرة لكل انواع الصراعات. فنصري هو ان يستمر الصراع! هي تريدني ان استكين، ابكي، وأسأل" لماذا انا؟" لكني اقاوم.. ارفض، وارفع مستوى الصراع والتحدي والعناد الى مرتبة "النضال".

ويضنيني عبء التفكير في الايام القادمة: سنوات الشيخوخة والوحدة والوهن! فزمن المستقبل ليس زمني ولن يكون لصالحي! وظني ان قدرتي ـ كأي انسان ـ سوف تضعف على المقاومة، لكن افضل ما يمكن عمله هو الحيلولة دون ان تكون الهزيمة مفاجأة وثقيلة، وربما استطعت بادوات اخرى اجهلها الآن اطالة امد هذه المواجهة الى ان يشاء الله.

 

ملامح من الحياة اليومية


ان القناعة بالذات والاحساس بالأهمية لنفسي وللآخرين، من خلال العمل والانتماء للمجتمع كفرد نافع، والاحتفاظ بعلاقات اجتماعية نشطة بين مجموعة من الأصدقاء المخلصين ممن يحيطوني بالعناية والاهتمام ويضفوا البهجة على نفسي يمدني بالقوة لمواجهة التحديات اليومية التي تفرضها الاعاقة، هي اهم مقومات حياتي.

ورغم تبعات الاعاقة الصحية التي تحول دون ممارستي لكثير من الانشطة اليومية والترفيهية الا انني احاول قدر ما تتيح لي الظروف الاستمتاع بالذهاب الى المرافق العامة وحضور بعض الفعاليات الثقافية والادبية والمشاركة فيها.

العمل بالنسبة لي تحدي، الاكل تحدي، النوم التحدي، والتنفس يغدو احيانا تحدي! وكل محاولة ناجحة للتغلب على واحد من التحديات اليومية لها مذاق يزيدني اصرارا على مواصلة التحدي!

استمع بزيارات الاصدقاء، اقراء، اشاهد التلفزيون، وفي الاونة الاخيرة اصبحت الانترنت ثاني خير جليس.. ولا اخاف على الكتاب منها!