|
كنت
في غفلة منها، انظر اليها..
اتمعن في ملامح وجهها، فتتعبني
تلك اللحظات وتستدرجني الى
استحضار صور لم تبرح ذاكرتي..
شهر
كامل مر دون أن يطرأ أي تغيير
على حالتي. بدأت فداحة المأساة
تكبر بداخلي أكثر فأكثر وتصاعدت
وتيرة اليأس والاحباط، ووقعت
فريسة التفكير المستمر فيما
ينبئ به المستقبل الحالك: شخص
غير قادر على المشي أو الكتابة
أو الاستحمام، عاجز حتى عن
إنجاز أبسط الاحتياجات اليومية
للإنسان.. تفكير اخذ يدفعني إلى
حافة الجنون او يكاد!
يا
إلهي.. ما أفظع ان تكون حياة
الإنسان مجرد انتظار للخلاص من
أوجاع الذات وآلام الجسد.. خلاص
من معاناة مضنية غير معلوم وقته
ولا شكله! وان تكون عيشته دون
امل.. غد افضل.. حال افضل!
وكان اشد ما يعذبني هو النظر في
وجه زوجتي ورؤية تلك الابتسامة
البريئة تذبل يوما بعد يوم. الا
ان وجودها الى جانبي كان يخفف
عني مرارة الألم وكانت تثير في
نفسي بعض السعادة والفرح وتشيع
في جو الحجرة شيئا من البهجة
والسرور.
وكنت في غفلة منها، انظر اليها..
اتمعن في ملامح وجهها، فتتعبني
تلك اللحظات وتستدرجني الى
استحضار صور لم تبرح ذاكرتي..
واصل
الدكتور هارفي جهوده الانسانية
لتوفير قدر من الراحة لي وتخفيف
جو الالم والكآبة المحيطة بي في
المستشفى، فاحضر بصحبته في صباح
احد الايام التالية فريقا من
فنيي الشركة لتصميم حاملة
مرتفعة لتثبيت جهاز التلفزيون
على مستوي مرتفع بحيث يتسنى لي
مشاهدته دون ثني رقبتي. وقام
بعضهم الآخر بتثبيت "آريل"
فوق سطح المستشفى ومدوا سلكا
الى داخل حجرتي!
لا
شك ان التلفزيون اضفى على ساعات
الملل اليومية الطويلة التي
تتوالى بوتيرة واحدة بعض
التغيير. فقد اخذت اتابع بعض
برامج التلفزيون باهتمام وترقب
هربا من التفكير بالمصير الآتي
والشعور بالحسرة الذي بدأ يطغى
عليّ.
وفي
الجانب الاخر تابع بعض الاصدقاء
والمعارف سعيهم لتذليل العقبات
امام سفري للعلاج. في حين اكد
الدكتور هارفي ان الشركة ستتكفل
بعلاجي في بريطانيا اذا تأخرت
اجراءات عرض حالتي على اللجنة
الطبية المتخصصة للنظر في مدى
حاجتي للعلاج
بالخارج.
وخلال
ذلك زارني بعض من زملاء العمل
ومدراء الشركة. وقد اظهرت
الشركة من خلال المسؤولين
ومشرفي العمل المباشرين
اهتماما عظيما وعطفا لا حدود
لهما. كما طمأنني الدكتور هارفي
على ان الشركة تجري اتصالاتها
لتأمين علاج تخصصي وتأهيل مناسب
في الخارج، لكن كان لا بد من
الانتظار حتى تستقر حالتي واكون
في وضع آمن للسفر في رحلة طويلة.
كنت
ولا أزال أعتبر نفسي من الأشخاص
الذين منحهم الله نفسا طويلا
وبالا واسعا في التعامل مع
الرتابة والروتين سواء كان
مصدرهما الناس أم الأشياء، بيد
أن تلك الميزة لم تجد نفعا في
هذه الحالة ولم تخفف من قسوة
الوجع الذي كنت أشعر به وأعانيه
وأنا مشدود. وأعني بمشدود انني
لا أستطيع تحريك عضلة واحدة في
جسمي سوى تلك التي تتحكم في
وظائف الوجه، عاجز لا أقوى حتى
على إطعام نفسي او طرد ذبابة
تتمخطر ذهابا وايابا فوق انفي!
صبري
نفد وانتظاري طال. مر شهران
وحالتي ظلت دون تغيير.. شهران
كنت خلالهما ممددا على ظهري،
إما محملقا في سقف الغرفة أو
مغمضا عيني محاولا الهرب من
واقع لا انفلات منه.
كانت
تستبد بي الكآبة ويضنيني الألم
فأصرخ: يا إلهي! إلى متى هذا
الألم والمعاناة؟ ويطغى عليّ
شعور حسن وأكاد أنفجر بالصراخ
ولكني أتراجع متسائلا "ما
فائدة أن أبكي وأصرخ؟" فالغضب
لن يجديني نفعا وإنما سيزيد من
إحساسي باليأس وسيضاعف معاناة
من حولي، فأقول لنفسي لن أضعف
أمام الألم وسأقاومه، فإذا كانت
الحادثة أصابت عضلات جسدي
بالشلل فهي لم تبلغ خلايا
دماغي، فلا زلت احتفظ بعقلي ولا
يستطيع المرض ايقافه أو يحد من
نشاطه. وأدعو الله أن يمدني
بالقوة.
وأؤكد
لنفسي بشكل او آخر ان قوة
الانسان ليست في قدرته البدنية،
وانما في قدرته النفسية التي
تتجلى في مواجهة الشدائد
والتصدي للمصاعب مهما تكالبت
عليه!
وهكذا
كان الوقت يتواتر!
بعد
شهرين من وقوع الحادث قرر
الأطباء أن السفر لا يشكل خطرا
عليّ، شرط أن اسافر بالجبيرة
وعلى نقالة. وكانت الشركة قد
رتبت لعلاجي في بريطانيا
بمستشفي متخصص في إصابات النخاع
الشوكي.
غادرت
مسقط برفقة سعاد المسلماني
كبيرة الممرضات بعيادة الشركة
وابن عمي عبد الله راشد، للعلاج
في مستشفي بدوك الخاص في
انجلترا. وهو عبارة عن عيادة
خاصة يستقبل فيها أطباء مستشفي
ستوك ماندفيل، ذي الشهرة
العالمية، مرضاهم من خارج
بريطانيا.
|