Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

محمد عيد العريمي
 

 

 

توطئة الجزء الأول من كتاب "مذاق الصبر"

 
عندما خطر لي كتابة تجربتي مع الاعاقة، توقفت طويلا.. فكرت كثيرا.. واستشرت بعض الاصدقاء. وكان السؤال، او بالأحرى الاسئلة: لماذا اكتب؟ وماذا اكتب؟ ولمن اكتب؟ فانا، والكتابة ليست شرفا ادعيه، لا استطيع اقناع نفسي ناهيك عن اقناع الآخرين بالكتابة اذا لم يكن لدي ما يستحق القراءة ويفيد القراء!

احد الاصدقاء بسط الموضوع، قال: الامر لا يتعدى كتابة ما حصل لك، وما ترتب عليه فيما بعد! وهذا على حد قوله يستحق عناء الكتابة وتعب القراءة. وهو يعلم ـ اعتمادا على اطلاعه بوضعي الصحي ـ ان الاعاقة تجربة قاسية، مضنية، ومرة، تابع يقول: ولعل الكتابة عنها تشبه "الفضفضة" عن كرب ومتنفسا لاراحة البال ولو قليلا. وهو يظن انها تجربة غنية، وان كان غناها يكمن في مرارتها، ضناها، وقسوتها!

صاحب آخر نظر الى الموضوع من زاوية مختلفة، قال:اذا كانت تجارب الناس الحياتية حرمة لا يجب انتهاكها، فانها اذ تكون "فريدة" يجب تسجيلها لكي يطلع عليها الآخرون للاستفادة منها.

تشجعت، وان كنت لا ازال عند رأيي ان تجربتي عادية، ويعيشها آلاف الاشخاص وان تفاوتت درجاتها من شخص لآخر ومن اعاقة الى اخرى.
 وانطلاقا من ذلك فان اعاقتي بذاتها ليست مجالا لاستخلاص العبر وانما تداعياتها وتفاعلها مع المحيط الاجتماعي اضفت عليها بعدا عاما وحولت بعض من المواقف الشخصية الى ملامح تتجاوز الاطار الذاتي.. ملامح ربما يلمس بعض الناس فيها صورا لاشخاص كان جل ما يربطهم بهم ليس سوى الشفة والرثاء.

وفي اتون محاولة خلق نص كانت غايته "اباحة" الذات على نحو منهجي وباسلوب يرقى الى ذائقة شريحة من الناس ـ قرأ الكتب ـ ما فتأت الدائرة عددها تضيق شئيا فشئيا، قرأت، وكتبت.. اضفت، وحذفت، وفي النهاية بدا النتاج لي  المستوى الذي كنت آملة!

لملمت الورق وحزمته في ضبارة حشرتها داخل خزانة اوراق قديمة تضم بينها شهادات الدراسة منذ الصف الرابع الابتدائي، واخرى رسمية منها واحدة تثبت خلوي من الامراض المعدية ولا خطر من دخولي الولايات المتحدة، ورسالة قصيرة كتبت بلغة انجليزية ركيكة اطلب بها عملا من احد بنوك مدينة صور بعد ما اعترضتني مصاعب مؤقتة حالت دون سفري مع البعثة الدراسية الى امريكا لمواصلة تعليمي الجامعي.

الغاية! صاحبي الثاني لم ينس الموضوع، فسألني بعد اشهر عن "المشروع" كما اطلق على محاولتي للكتابة. واذ عرف انني لم اقتنع ان ما كتبت يستحق القراءة، قال بلهجة تحريضية: انت لست القارئ المناسب لاصدار الحكم على كتابتك!

اخذ الملزمة، وفي اليوم التالي اتصل ليقول: فتحت الملزمة لتصفحها، ولم اتركها الا بعد قراءة آخر كلمة فيها. وعقب "قراءتها بالكامل" حتى لا اظن انه قرأ الكلمة الاخيرة ليس الا! وفي رأيه انها صالحة للنشر بعد عرضها على اصحاب الخبرة، لكنه يعتب عليّ  شحي في سرد مزيد من التفاصيل.  

اعترضت على ذلك! وشرحت له ان احجامي عن التطرق الى تفاصيل قد تضيف شيئا او لا يعود الى سببين: اولهما، ان التطويل في هذا النوع من الكتابة، خاصة لغريب عن الادب، ربما يفقد القارئ حافز المتابعة فيلقي بالموضوع جانبا الى غير رجعة! وثانيهما، ان حياة الانسان ـ أيا كان ـ نتاج ماض لا يقتصر على تجاربه الذاتية فقط، وانما تتداخل معها تجارب ناس آخرين. وثمة خصوصيات في حياة كل منا يشكل البوح بها حرجا ليس لصاحبها وحسب، بل ايضا لمن كانوا اطرافا في هذه التجارب، وهذا ما جعلني اتحاشى ذكر تفاصيل لا يحق لي الخوض فيها!

لقد وضعت نصب عيني تسجيل العموميات التي تخدم الغاية من هذه الكتابة فتوقفت عند المفاصل الاساسية من تجربتي ودونت ما اعتقدت انه يخدم هذه المحاولة دون التطرق الى ما لا يضيف اليها شيئا.

آمل ان يجد القراء في هذا البوح بعض المتعة وشيئا من منفعة

محمد عيد

في صور