Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

     

   
   

 

 

 
   


ولدت في وادي المر بالمنطقة الشرقية في سلطنة عمان. ففي صباح يوم صيفي قائظ في عام 1954، فتحت عيني على غمامة حزن اطبقت على الناس والمكان. وبين اصوات النحيب والعويل، حزنا على وفاة اخ لم يكمل عامه الخامس، ضاع صراخ ولادتي، وكان ظهوري المفاجئ قبل اواني سببا في تكوين شعور متناقض بين الحزن والفرح.

وكأن حرماني من الصرخة التي ينتظرها الاقارب امام حجرة الوالدة اعلانا بانتهاء مكابدة آلام المخاض وقدوم روح جديدة إلى الدنيا.. لا يكفي، فقد اطلق عليّ  اسم "عوض" وهو عرف عند بعض البدو عندما يولد لهم اطفال مباشرة بعد وفاة آخر في الاسرة.

وزيادة في الحرص ثقبت اذني اليسرى لوضع حلق فضي لابعاد الارواح الشريرة ـ رغم ان امي قالت لي فيما بعد ان ذلك دليلا على خصوصية ولادتي. وهو ما شكل في شبابي ـ حسب مواقف الناس وتباين الاماكن ـ اما احراجا لتشبهي بالفتيات، او ميزة تفردت بها بين زملائي في الجامعة بامريكا.

بيد ان الاستقبال الفاتر الذي قوبلت به لم يلازمني طويلا، فقد انجبت امي بعدي  بنتين وبقيت اتمتع بمزايا الذكر الوحيد لفترة طولية قادمة بين ثلاث اخوات في مجتمع بدوي يفرد للذكر مكانة ارفع خاصة اذا كان الاكبر من بينهم.

وعندما سمح لي بالانفصال عن دائرة  الاسرة، شعرت برغبة ملحة في "المغامرة".. اخذت الاصوات والصور تثير مخيلتي وتصحوا في اهتمامات غريزية لاستكشاف "العالم" الغامض خارج محيط بيتنا: عالم الاشياء والناس.. عالم امتلأ خياله بصدى اصواته وكانت رمسة العرق تجربة اولية مثيرة لا تزال عالقة بالذهن!

فعلى سفح كثبان رمل ناصع البياض، يجتمع الصبيان والبنات ـ على حد سواء ـ للغناء ونظم الشعر والرقص ولعبة الساري على ضوء القمر. وهناك يصدح صوت سليّم مغاني، شاعر الوادي ومغنيه، وهو ينظم الشعر حماسيا يصف فيه قوة القبيلة وشجاعة رجالها؛ او غزليا يمدح الجميلات من النساء ويشيد بشرفهن؛ او حزنا على ميت؛ او فرحا في عيد او عرسا او ختانا ـ وكل ذلك حسب ما يناسب المزاج السائد في القرية حينه! وعلى قرع الطبل ترقص الفتيات ويشاركهن الصبيان في حركات تعبيرية تعكس حياة الناس واساليب عيشتهم ومعاناتهم دون ابتذال، وليس في رقصهم ما يخل بالشرف او يدعو لنقيصة.

واتذكر تجمع النساء والاطفال مع معلمة القرآن شمسة لسماع الخراريف والقصص والاساطير التي تغرس في نفوس الاطفال الاخلاق النبيلة والسلوك السوي وتحلق بخيالهم الى اماكن وبيئات لم يألفوها، وتشكل في الذاكرة مدارك ومفاهيم تهيئ الاطفال وهم في سن مبكرة لخوض الصراع من اجل البقاء واولها الولاء للقبيلة ـ فهي طوق النجاة!

ان اشد ما ترسخ في ذاكرتي عن تلك الفترة المبكرة من طفولتي هو احتفالات الاعراس والاعياد الدينية ومناسبات اخرى سواها مثل: الختان، والاحتفال بعودة غائب.

كان الناس يرتدون افضل ثيابهم وزينتهم وحليهم؛ فالرجال يلبسوا الخناجر ويتوشحوا احزمة الرصاص ويحملوا البنادق والسيوف،  بينما تتزين النساء بافضل حليهن من الذهب والفضة كالعوص والغلاميات والمرتشحة والمرية والحجل. ويتبرجن باطيب المعاجين العطرية.. اكثرها استخداما المحلب (مزيج من الزيت والزعفران والصندل والزهور الجافة والماء) كما يدهنّ شعورهن بمسحوق ورق السدر لتثبيت تسريحة تسمى العقفة ويخضبن أياديهن وارجلهن بالحنا على شكل تصاميم واشكال جميلة تبهر النظر وتزيد الجميلات منهن جمالا.

الاحتفال عند البدو، بدون سباق للجمال لا يعد احتفالا! وهو لا يكتمل اذا لم تصاحبه عروض الجمال حيث يصل اصحاب النوق الى موقع الاحتفال في فرقة واحدة منتظمة الصفوف، ويستعرضوا نوقهم خببا على غناء التغرود حول دائرة المركاض في شكل استعراضي أخاذ، قبل ان ينزل المتسابقون ويصطفوا زوجا زوجا لاخذ دورهم في سباق ليس هدفه التحدي او التنافس وانما اظهار مهارات "الركبيون".

وسوف يمضي طول من الوقت على ذلك المشهد بأصوات الغناء المرتفعة وقرع الطبول وصليل السيوف وخشخشة حلي النساء؛ ومنظر الرازحين ولمعان سيوفهم وسباق الهجن والاطفال بملابسهم الزاهية والنساء الجميلات؛ واريج العطور الممتزجة في الهواء مع روائح الطعام النفاذة.. حدث رائع له عبق لا يزول من الذاكرة.         

ولم اكن قد تجاوز الثامنة من العمر عندما رافقت رعاة الجمال، فكانا نمضي اياما نجوب السهول والكثبان الرملية بحثا عن اجمة حالفها الحظ اذ ارتوت الارض تحتها بالغيث اكثر من سواها. وكان غذاؤنا يقتصر على شربة ماء من قربة وما تجود به ناقة والده من الحليب بعد ارضاع صغيرها، وحبات تمر، وبعض ثمار النباتات الصحراوية، او ـ وهذا نادر ـ لحم ارنب بري او غزال تاه عن قطيعه فوقع في مرمى بندقية احد الرعاة.. حتى عودتنا الى القرية بعد ايام عدة. وهكذا لمست وعن تجربة المعاناة والمكابدة التي تعيشها فئة من سكان القرية، وهو اسلوب من اساليب حياة البادية.

وهناك في البادية تعلمت قراءة القرآن في الهواء الطلق تحت ظل شجرة ، وتعلمت رعي الماشية وغناء التغرود والطارق، وتدربت على ركوب الجمال، واتقنت تصويب البندقية والضغط على الزناد. وهناك رافقت البدو مع كلابهم السلوقية في رحلاتهم لصيد الارانب والغزلان، وتعلمت انه لا مجال للخوف من ضباع الصحراء وجوارحها وكيف ادافع عن اسرتي ومقتنياتها.

هناك سهرت على ضوء القمر ونمت تحت فوانيس النجوم.. هناك تطبعت باخلاق وعادات البدو وتعلمت الاخلاص للقبيلة، وعرفت البادية: خصبها وجدبها.. حكاياتها واساطيرها.. تقاليد اهلها واساليب حياتهم.

وهناك ترعرعت وبلغت مبلغ الرجال قبل الأوان، وتعلمت مسؤولية الواجب وحقائق الحياة، وسكنني الشعور بذنب اقتراف خطأ عندما اصبت كلبا برصاصة طائشة تركته يجر ساقيه حتى عثر على بقاياه بعد بضعة ايام خارج القرية. وهي تجربة في مجملها كانت العنصر الاساسي الذي صاغ وجودي وشكل حياتي.

وكان لابد من الرحيل! اذ قرر والدتي ان الوقت حان للعودة باسرتنا الى مدينة صور حيث يعيش اهل والدي واسرته الكبيرة. وكان علىّ ان استعد لمواجهة حياة جديدة وتحديات من نوع آخر واساليب حياة مغايرة لا اعلم شيئا بشأنها ولم يكن لي رأي في اختيارها!

صعب عليّ في البدء الاندماج مع اولاد المدينة، وهم لم يألفوهني ايضا! ولعل طباعي التي تنم عن تربية بدوية يبدو انها ساهمت في خلق هذه الجفوة. فبقدر ما كنت غريبا عليهم كانوا هم لا يقلون بالنسبة لي غرابة.. خاصة في ألعابهم وتساليهم تلك التي يجري معظمها داخل البحر او على شاطئه.

وكعادة كثير من أصحاب السفن والتجار اصطحاب أبنائهم لتعلم مهارات البحر والتجارة البحرية، قرر والدي اخذي معه في سفينة العائلة في رحلات طويلة ـ بمقاييس ذلك الزمان ـ من صور إلى دبي شمالا والى المكلا في اليمن جنوبا مرورا بمعظم المدن الواقعة على الخط الساحلي بين المدينتين.

وعلى سطح السفينة المبحرة في بحر العرب بدأ مشواري مع عالم الحروف والارقام. فقد بدأت تعلم القراءة والكتابة والحساب ايضا. ثم واصلت دراستي الاساسية متنقلا بين مدن الخليج العربي: صور، مسقط، الخبر، الكويت، ابوظبي، الكويت مرة ثانية، ثم الدوحة. وتابع دراستي الجامعية في الولايات المتحدة الأمريكية حيث حصلت على شهادة البكالوريوس في الهندسة الصناعية في عام 1981.

وبعد تحرجي التحقت بالعمل لدى شركة تنمية نفط عمان وتعرضت لحادث سير اثناء توجهي الى موقع عملي بحقول النفط في الصحراء العمانية واسفر عن اصابتي بالشلل. وواصلت بعد تأهيلي الصحي العمل في الشركة ولا ازال.