|
*
تحدي الإعاقة في زمن النفس
المعاق
|
((أن
أصبح غير قادر على الحركةوممارسة حياتي
الطبيعية نتيجة لإصابتي في العمود الفقري
فذلك أسوأ ما حدث لي في حياتي!! فلقد أخلت
الإعاقة بحياتي على كافة مستوياتها
الصحية والإجتماعية والوظيفيةوسواء قبلت
وضعي الجديد أم رفضته ،نسيته أم تجاهلته
كان لا سبيل أمامي سوى أن أتصالح مع
الإعاقة وأقبل شروطها وأتعايش مع تبعاتها
مهما كانت قاسية وكان علي بناء حياة جديدة
على أنقاض أخرى تحطمت وبناء أحلام أخرى في
إطار وضع صحي جديد وفي فورة تأزم مواجع
الذاكرة تضطرب دواخله وتتداعى نزعات
باطنية وملاحم نضال دفاعاً عن قضية أو
مبدأ مجروحة مقبورة بساديات حجاجية ويزج
العقل في سعير بوتقة إرهاصات تجارب قديمة
انفلتت من مدارها الآدمي ولبس بعضها جناح
الملائكة والآخر ارتدى لبوس الشيطان
يتقاذفه اعوجاج الذاكرة واستقامة الجنون
تتقاطع مسارات الحاضر والماضي ويستعصي
عليه فرز الواحد عن الآخر وابراز لحظة عقل
حفرت لها بأصابع مدمية إسما وتاريخا))
بهذه
الكلمات المعبرة عن فكر متوقد وعقل نير
وهمة وثابة وخبرة عالية في مدرسة الحياة
يسطر المهندس محمد بن مبارك بن عيد
العريمي طرحه الأدبي المميز (مذاق الصبر)
ومن خلال قراتي له وجدت نفسي في بحر لجي
عميق وزخم فكري ملتهب
وسيرة ناضجة كونها سيرة نظال وتحدي
مكمنها مواجهة النفس للنفس وهنا مظن
الصعوبة عندما يولد الإنسان معاقا يعيش في
وضع خاص ورتم محدد وهنالك اهتمام يكفل له
العناية والرعاية ولكن عندما يأتي قدر
الإعاقة للإنسان وهو في وهج عطائه وعنفوان
شبابه تكمن هناك الصعوبة فالمحك يقتضي
أمرين أن يستسلم الإنسان لإعاقته لتركبه
الأوهام والهواجس في صورة شبح يرضخ له أو
أن يشحذ نفسه بالتحدي والإصرارعلى
العزيمة في مواجهة تلك الإصابة مفكراً
ومدركاً بأنه إن سلم العقل والفكر فقد سلم
الجسد وما يأتي به القدر كفيل بأن يعوضه
الله بحياة أكثر عزيمة وإصراراً ومن المحك
الثاني إنطلق بن عيد مواصلاً أدائه لعمله
الأصلي بل أكثر إصراراً وعزيمة في تحقيق
النجاح والتألق .
في
أثناء قراءتي لمذاق الصبر تأثرت كثيرا
لجملة الأحداث وشجون الصبر التي ضمتها
الأحداث ولكني في نفس الوقت أحسست بأني
أمام سيرة بطل قل من نرا مثيلا له في زمن
النفس المعاقة بشتى بلائها لتبقى الإعاقة
الجسدية أهون من إعاقة النفس الممثل
بإنغماسها في القسوة والظلم والطغيان في
أوحال الرذيلة وعوالم الأوهام والإنحطاط
، لذلك انطلق بن عيد بقوة عزيمته وتحديه
للإعاقة من رؤيته لزمن النفس المعاقة حيث
زاده ذلك قوة وإصراراً فتجاوز محنته بقوة
الإيمان والإصرار على التميز والعطاء في
عمله وحياته الشخصية كما أن المقربين حوله
كانوا بمثابة البلسم الشافي الذي رافقه
طيلة فترة تقبله لوضعه الجديد وكان بحق
سنداً عظيماً يشح أن نرى لذلك منه مثيلا
فسبحان المعطي الوهاب بجلاله وإكرامه ..
ومن
خلال شرح صاحب السيرة لجملة التحديات التي
جابهها وما جُبل عليه في تلك الفترة
العصيبة وأيضا قبلها منذ نعومة أظافره
ممثلا في حياته الطفوليه وأصدقائه وتغير
البيئة عليه وفقدانه لأعز أصدقائه في
مرحلة الطفولة البريئة كل ذلك وأكثر من
ذلك قوبل بإعجاب شديد
وإكبار عظيم من جمهوره الغفير الحاضر
لتلك الندوة والتي نضمت على
هامش الملتقى الإبداعي بمديرية
التربية والتعليم بجنوب الشرقية ولعل تلك
المداخلات والعاطفة الصادقة والحميمية
المطلقة التي أكتنفت الحضور قد أبرزت حباً
كبيراً وإعجاباً فريداً بنموذج قل من نراه
اليوم كما أن الشفافية التي تميز بها بن
عيد في حديثة مع الحضور لهو دليل على أن
لمذاق الصبر ألوان وصنوف كي يبقى ذلك
المذاق ساكناً بخلجات النفس أطراً من
المشاعر الصادقة التي لم يعهدها الكثير من
الحضور فهنيئا لذلك الحب أن يبقى ومزيدا
من العطاء والإستمرارية والنجاح..
((
وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله
والمؤمنون ))
*
جريدة
عمان: 9 مارس 2002
|