|
صعب
على الصبي الاندماج مع اولاد المدينة،
وهم لم يألفوه ايضا! هو ظن ان هيئته او
لعلها ملابسه الغريبة: دشداشة قصيرة
مصبوغة بالورس
تعري ركبتيه، وكيس جلد يتحزمه ليلا
ونهارا لحفظ
نقود لم تدخله قط، وحرصه على لبس عمامة
لا يلبسها صبيان المدينة الا مرغمين في
المناسبات؛ هو مرد هذا الاستقبال
الفاتر. لكن اتضح له وهم يرددون السؤال
ذاته "ايش اتقول؟" ان لهجته
استعصت عليهم ـ او قل على فهمهم ايضا.
طباعه
التي تنم عن تربية بدوية يبدو انها
ساهمت في خلق هذه الجفوة. فبقدر ما كان
غريبا عليهم كانوا هم لا يقلون بالنسبة
له غرابة.. خاصة في ألعابهم وتساليهم
تلك التي يجري معظمها داخل البحر او
على شاطئه.
لم
يشعر يوما بهذه الغربة والعزلة! أراد
التقرب منهم، ظن خطاء ان البحر سيكون
وسيلته. لكن محاولاته تعلم السباحة
كانت مثار ضحكهم.
ولشد ما رغب، وهو يكبت وقع سخريتهم
منه، ان يعرفوا انه اذا كان لا يجيد
السباحة فانه يجيد ركوب الجمال والضغط
على الزناد وصيد الغزلان.. لا صيد الحواسين
كما يفعلون هم.
وجاء
قريب له ليرافقه الى السوق: كالبحر
ايضا هذا السوق سر آخر من اسرار
المدينة! لا اباه ذكر شيئا عنه ولا امه.
عند
مدخل سوق المسباخ توقف الصبي. نظر:
ساحة واسعة تغص بالناس على اختلاف
مهنهم: دلالين وبايعي سمك وسقاة مع
حميرهم المحملة بقرب الماء والبرسيم،
ونساء باسطات بالحلويات، وحمالين..
وآخرين لا يعرف ماذا يفعلون او يبيعون!
وبدهشة
ملأت عينيه نظر الى تبريزة
ضخمة جلس على طرفها القرفصاء رجل لم
يشاهد مثله من قبل: لا لحية له ولا شارب!
سمعه
وهو يقول لمحمد ـ الصبي الذي جاء
برفقته:
ـ
ود من هذا؟
ابتسم!
تذكر خاله وهو يقلد لهجة اهل المدينة
ويبالغ في تليين مخارج الحروف عندما
ناداه الغربي بلهجة بدت غريبة عليه
ولكنها ستصبح مألوفة بل ومحببة له في
ايامه القادمة:
ـ
ايش حالك يا عوض؟.. تعال سلم على عمك
الغربي.
تردد
قليلا! لكن ابتسابة الرجل التي كشفت عن
سن تدلى وحيدا من فك فمه العلوي ونزوله
عن سطح التبريزة شجعته على الاقتراب
منه ومصافحته. ضيف الغربي الصبين بهبشة
من سكاكر النعناع ثم عاد الى جلسته
السابقة على حافة التبريزة.
جلس
الصبي على كرسي خشبي طويل وهو يلوك قطع
النعناع، وبطرف عين اخذ يختلس النظر
الى الوجه الامرد، لكن سرعان ما شده
منظر ما كان يفعل الغربي ونسى وجهه
الخالي من الشعر.
كان
يمسك بأطراف اصابع يد واحدة ورقة بيضاء
صغيرة قعرها على طولها ثم دس ابهام يده
الاخرى وسبابتها في عبوة معدنية
واخرجهما ممسكا بشيء يشبه الشعر وزعه
على طول قعر الورقة ولفها بمهارة على
شكل اسطواني، وبلل حافتها بطرف لسانه
وفركها قليلا ثم رصها في صينية وضعها
بجانبه.
الصبي
كان يتابع حركات الغربي التي توالت على
نفس المنوال.. ومعها كان يغني نوعا من
الغناء الشعبي. قطع عليه الرؤية زبون
جاء يطلب واحدة من تلك اللفائف التي
يصنعها صاحب التبريزة.
وضع
الزبون اللفافة من طرفها المستدق في
فمه. اشعل طرفها الآخر بعود ثقاب. سحب
نفسا. امسك اللفافة بين اصبعين. كتم
نفسه لحظات طالت او قصرت. اخرج من فمه
دخانا كثيفا نفخه الى الاعلى وتابع
تلاشيه في الجو بطرف عينه!
اذ
شعر الزبون بمتابعة الصبي حركاته اخذ
ينفث الدخان من انفه حينا، وحينا آخر
كان يخرجه من فمه على شكل حلقات
متتابعة تذوب تدريجيا في الهواء
الواحدة تلو الاخرى.
غادر
الزبون. نزل الغربي. كان يتابع اندهاش
الصبي من منظر الرجل المدخن. جلس الى
جانبه وهو يمسك واحدة من تلك اللفائف.
شرح له ما في داخلها واخبره ان اسمها
سيجارة، واضاف:
ـ
ولكن مب زينة وريحتها خايسة.
وهو
ينظر الى ذي الوجه الامرد قال في نفسه
" اذا كانت خايسة ليش تبيعها
للناس!!". أراد ان يجهر بها، لكنه
فجأة تذكر ما تردده عليه أمه "لسناك
حصانك ان صنته صانك"، علك طرف
لسانه باسنانه وصدر منه صوتا كعواء
الثعالب لم يستطع كتمه!
افادة
تشتهر
تبريزة الغربي بأفضل وابرد شربة ماء
يمكن الحصول عليها في السوق كله. يبرد
الغربي الماء في برنية مثبتة من
قاعدتها المخروطية داخل ثقب دائري على
طاولة خشبية ارتفاعها حوالي متر واحد.
والى جانب البرنية صف عدد من الكريوات
ثبتت على نفس الطاولة بنفس طريقة
البرنية، وفي هذه الاواني الصغيرة
تباع شربة الماء مقابل بيسة واحدة.
ويعطر
الغربي بعض الكريوات باوراق الريحان
لمنح زبائنه الاختيار ما بين الماء
العادي وشربة بعبير الريحان.
__
عمان
الثقافي/ جريدة عمان/ العدد
7492/ديسمبر 17، 2001
|