|
كانت
قد مضت أسابيع على
بدء الدراسة عندما أعلنت مسز
نانسي عن التحاق توأمين سياميين
بصفنا، وقالت إنه يتعين علينا أن
نكون ودودين معهما:
ـ
نريد أن يشعرا وكأنهما بين
أصدقائهما، أليس كذلك؟
كانت
مسز نانسي ضخمة وبدينة، ولها شعر
ذهبي متجعد، تدلت بعض خصلاته على
وجهها.
ـ
نريدهما أن يعيشا حياة سعيدة وعادية.
قالت
وهي تنظر في وجوه التلاميذ الذين لم
تتجاوز أعمارهم السادسة بعد.
في
صباح اليوم التالي، كان أول ما
شاهدناه عند دخولنا غرفة الصف
كرسياً متحركاً مزدوجاً ـ شكل مخيف
بحد ذاته ـ أوقف في نهاية
صف المقاعد الثاني. صبي أسود له
هامة ضخمة يستند على عدة وسائد، وآخر
جلس إلى جانبه.. حجم رأسه عادي.. بدا
وكأن الواحد يعانق الآخر.. هذا
الأخير كان يبتسم ابتسامة عريضة
كشفت عن أسنان ناصعة
البياض لم أر مثلها من قبل قط.
اسمهما
كليرواتر ولاتيمس دورسي.. الأطباء
اكتشفوا أن لهما قلباً واحداً يضخ
الدم إلى جسميهما معاً، ولكن المؤسف
أن الجزء الأعظم منه يوجد في جسم
كليرواتر ـ التوأم البليد؛ لطيف..
يبتسم دائماً ولكنه لم ينطق بكلمة ـ
كما عرفنا لاحقاً ـ حتى بلغ الرابعة
من عمره.. وفي ذلك اليوم لم يصدر منه
سوى كلمات مبهمة وشبه جمل وتنهدات
وحركات من يديه.. كان يستند إلى الخلف
مبتسماً.. ضعيفاً، أكثر شحوباً من
توأمه، ولكن لونهما كان كالشوكلاته
البنية وشعرها أسود لامع.
لاتيمس
كان ذكياً ونشطاً وصاخباً.. أنا
أستطيع المشي، قال لكل طفل يدخل من
باب الصف، إنه كليرواتر الذي لا يقدر
على المشي، أنا أستطيع أن أمشي بجانبه
إذا رغبت، ولكن لم يلتفت إليه أحد.
جلسنا في مقاعدنا وخيم الصمت على
المكان.. حاولنا ألا ننظر إلى حيث
يجلس التوأمان السياميان.. بينكلي
بيلتشر كان مضطرباً إلى
درجة أنه بلل سرواله، فأرسلته
مسز نانسي إلى غرفة الممرضة لكي
تستدعي أمه لإحضار ملابس جافة له. لم
يضحك عليه أحد، ولكن لاتيمس علق بصوت
مرتفع: أنا لا أبلل سروالي. إنه
كليرواتر الذي لم يتدرب على استخدام
المرحاض.. إذا بللت سروالي سيتحطم
قلب أمي.. باربره نيكسون لملمت
ضحكتها.. وهمست: >لاتيمس يبدو كفرخ
الطير.. يسقسق ويفتح عينيه ويغمضهما
وينظر حوله أما كليرواتر فهو لا يزال
بيضة لم تفقس بعد..
في
نهاية الأسبوع
تحول تلاميذ المدرسة كلهم إلى توائم
سيامية. ففي الملعب كان الأطفال
ملتصقين بعضهم ببعض عند الصدر: يمشون
على جوانبهم ويلعبون حجلة السياميين
ويتسلقون عوارض النسناس أزواجاً.
وبعد فترة قرر بعضهم أنه يمكن
الالتصاق في أي مكان غير الصدر،
فكانوا يمشون وهم ملتصقون في أماكن
أخرى من أجسامهم.. عشرات التلاميذ
كانوا يمشون في الشارع أثناء عودتهم
من المدرسة ملتصقين إصبع بإصبع وكتف
بكتف وخد بخد وركبة بركبة، لكنهم
كانوا دائماً يفترضون أن القلب في
مكان الالتصاق.. فأنت دائماً تشترك
في قلب واحد مع توأمك السيامي.
خلال
الفرص كان لاتيمس يحظى باهتمام
الجميع، وكليرواتر يبتسم إلى جانبه،
التفت مزهواً بنفسه إلى
مجموعة من تلاميذ الصف الأول،
قال:
ـ
ربما أكون عبقرياً في الرياضيات،
إنه الشيء الوحيد المميز الذي تراه
أمي..
وكان
كليرواتر يحكم قبضته على عبوة
الحليب وهو يمتص منها بالماصة؛ وبين
فترة وأخرى كان لاتيمس يعطيه قطعة
بسكويت، إذ أنه لا يستطيع لثقل رأسه
الانحناء إلى الأمام لالتقاطها.
ـ
ما هذا؟ سألت باربره.
ـ
أنا أستطيع حساب الجذور التربيعية
للأرقام. أجابها لاتيمس وهو يمسح
فتات البسكويت عن وجه أخيه.
ـ
ألا تستطيع أن تكون بمفردك؟ سأله جاك
تارنبول.
ـ
ألا يمكنك أن تذهب إلى الحمام بنفسك؟
أردف ركي بوب. ولم يتحرك أحد من
مكانه، كنا نتوق شوقاً لمعرفة
الإجابة.
ـ
لا.. قال لاتيمس، وهو يصر أسنانه التي
كشفت عن لثة بنفسجية اللون، ثم فجأة
مال إلى الأمام وابتسم إلى باربره
التي ابتعدت برأسها..
قال
جاك مازحاً: أول الحب نظرة فابتسامة..
وبعدها يأتي الزواج.
كان
من الصعب تخيل باربره وهي تدفع
أمامها حاضنة طفل وكرسياً متحركاً
مزدوجاً.
وقال
لاتيمس، بعد أن هدأت الضجة والضحك
الذي أثاره وهو يبتسم: أنا ابتسم
للجميع.. أنا ملك الابتسام.
السيد
فينيس كيوانس تبرع بدفع رسوم درس
خصوصي في الرياضيات للاتيمس في
المدرسة الثانوية، في حين وفر السيد
ستيفنز صاحب محلات ستفينز للأثاث
سيارة الشحن التي يقودها السائق
الأسود برينس ألبرت لنقلهما إلى
هناك.. وفي كل يوم خميس كان إثنان منا
يتكفلان بدفع الكرسي من الصف إلى
المدخل الرئيس للمدرسة حيث ننتظر
هناك معهما وصول برينس ألبرت.
كان
برينس يحييهما كل مرة نفس التحية:
كيف حال كوزي السكر
اليوم؟ هل أمضيتما يوماً طيباً
في المدرسة؟
وكان
لاتيمس يجيب: أخذنا درس الموسيقى
اليوم أو ذهبنا إلى المسرح.
وكان
برينس يقول: أهو كذلك إذاً.. فيصدر
كليرواتر صوتاً كالمواء.. ويربت
برينس على كتفه. ثم يلتفت إلينا،
ويقول: هذان هما مساعداكما لهذا
اليوم. ويضيف وهو يغمز عينه لنا
خادماكما.. ونهز رأسينا فخورين، ثم
ندفع الكرسي إلى الرصيف حيث أنزل
برينس المنحدر من خلف الشاحنة،
وندفع الكرسي إلى داخل الشاحنة
بمساعدة برينس ألبرت الذي يوثق وضع
الكرسي بالأحزمة خلف مقعد السائق.
ومن عادته أن يقول بعد أن ننجز ذلك
"أحسنتم العمل سيجزيكما الله
خيراً في الآخرة.
وننزل
من المنحدر بسرعة حيث نقف نراقب
الشاحنة وهي تتحرك مبتعدة إلى
المدرسة الثانوية، ثم نعود إلى غرفة
الصف بدون التوأمين السياميين.
بعد
إجازة أعياد الميلاد عاد التوأمان السياميان إلى المدرسة متأخرين.
وصرخ لاتيمس وهما يدخلان إلى الغرفة
بصوت عال >لقد أصبح لي قلب خاص<.
وكان لديهما كرسي جديد أيضاً، كان
كليرواتر لا يزال وسط وسائده إلا أن
لاتيمس لم يكن يجلس بجانبه وإنما كان
يمشي بين عجلتي الكرسي ممسكاً
بعارضة ويدفع الكرسي بنفسه.
لقد
ذهبا لمراجعة طبيب في مدينة شيكاغو.
ـ
هنا. قال لاتيمس وهو يشير إلى المكان
الذي يلتصقا فيه، وأضاف: >هنا
الإثنان معا، قلب لكل واحد منا<.
لقد استطاع أطباء المدينة الكبيرة
بفضل أجهزتهم المتطورة اكتشاف قلب
ثان ـ ضعيف ولكنه واضح.
ـ
هل هذا يعني أنكما ستنفصلان؟ سألت
باربره، التي أصبحت صديقة لاتيمس
ولكنها لا تزال تصرخ عندما يحاول
التودد إليها.
وبحركة
متصنعة أجاب: ربما، ثم انحنى إلى
الأمام ليتفحص حزام الأمان المربوط
حول خاصرة كليرواتر. وقال:
ـ
أنظروا إلى هذا الكرسي، سيساعدني
على التمرين كثيراً.
لم
يكن لاتيمس يدفع الكرسي الجديد فقط،
بل كان ينطلق به بسرعة في ممرات
المدرسة وصالة الألعاب. كما أنه
اشترك به في مسابقات المعاقين، حيث
لعب هو دور اللاعب سوي البدن مع
كليرواتر اللاعب المعاق. وعندما حل
الربيع اشترك معنا في لعبة كرة >السوفتبول<
بقوانين جديدة وضعها بنفسه:
عندما يأتي دوره لضرب الكرة، يتعين
على رامي الكرة أن يرميها بهدوء،
وإذا وفق في تسديدها فإن لاعب
القاعدة يجب أن يعد إلى سبعة قبل أن
يرمي الكرة حتى يتسنى له العدو قبل
أن تبلغ الكرة الخصم. كان كل ذلك يجري
وكليرواتر إلى جانبه يقفز ويصرخ
ويصفق بفرح.
وفي
أحد الأيام أثناء الفرصة كنت أركض
صوب حمام البنات عندما اصطدمت
بكليرواتر ولاتيمس وهما خارجان من
غرفة الأولاد. اضطربت من الحياء
فجأة، فأنا لم أتواجد معهما بمفردي
من قبل.
فقال
لاتيمس محيياً: مرحباً يا فيرا.
قلت:
مرحباً. كنت قريبة منهما إلى درجة
أني لاحظت لأول مرة أن شعر أهدابهما
كان مجعداً أيضاً.
قال
لي لاتيمس: قلبي أصبح قوياً جداً
يا فيرا. ثم تقدما نحوي إلى حيث وقفت
أفسح لهما الطريق للخروج.
وسأل
لاتيمس: هل تريدي أن تجسي نبض قلبي.
لم
أستطع الحديث، ولكنه اعتبرها موافقة
ـ وهي سمة اكتشفتها في بعض الرجال
لاحقاً. وأشار إلى موضع قلبه. وقال:
هنا، وأمسك بيدي ووضعها فوق
صدريهما، ثم سأل وهو ينظر إليّ بلهفة:
هل تشعرين به يا فيرا؟
ـ
أعتقد ذلك. همست، وفي الحقيقة لم
أشعر سوى بحرارة جسميهما وحرارة
يدي، ولكن ذلك كان أول هدية يقدمها
صبي لي، فلم أشأ أن أردها له.
ـ
إنه قوي للغاية. قال مرة ثانية، ثم
إلى الأمام وأمسك يدي. كانت رائحته
كرائحة العشب الملقى تحت أشعة الشمس
طوال اليوم.
ـ
أنت أيضاً يمكن
أن تصبحي صديقتي. قال. وابتسمت
لكليرواتر الذي كان ينظر إليّ بخبث.
ما
لم يتوقعه أحد هو أنه كلما ازداد
لاتيمس قوة ازداد كليرواتر قوة
أيضاً. ففي أحد الأيام لاحظت مسز
نانسي أن كليرواتر ينتبه لها. فأجاب:
>نعم يا سيدتي إنه ينتبه لكل شيء<..
فالتفتنا كلنا نحو كليرواتر، وبدا
أمامنا لأول مرة شخصاً آخر،
أو لعله تغير دون أن نلاحظ ذلك،
فبدلاً من ابتسامته البلهاء الدائمة
لكل شيء أمامه أصبح الآن يبتسم لشيء
ما.. لمؤشر مسز نانسي أو لجرس الفرصة
وفي عيون جيل ريدنبوه عندما قدمت له
قلم الطباشير.
وقالت
مسز نانسي: إن لونه أصبح أفضل أيضاً.
ثم أضافت: >ويبدو أكثر حيوية وصحة<.
في
نهاية العام كان كليرواتر يجلس
مستقيماً ويرسم بعض الصور على الورق
في حين كنا نحن نتدرب على كتابة
الكلمات. لقد كان يرسم نفس الصورة
مرات ومرات: رأس ضخمة وعيون مستديرة
صغيرة. >إنها تشبه كليرواتر< علق
جاك تارنبول، وبدا ذلك غير صحيح
عندما ضحكنا والتفتنا صوبه. كان أكثر
سمنة.. كانت رأسه تبدو في السابق ضخمة
بالنسبة لجسمه الضئيل، وذراعيه
وساقيه النحيلتين،
ولكن ذراعيه أصبحتا الآن
مستديرة لكثرة محاولاته التقاط
الطباشير، كما أصبحت عنقه سمينة
وقوية.
وقال
لاتيمس دون أن يرفع بصره عن الورقة
التي كان يكتب عليها مسألة حسابية:
إنه يلبس نفس قياسي.
وبدا
لنا لاتيمس وكليرواتر أكثر من مجرد
توأمين سياميين، كانا متشابهين،
لهما نفس الحجم ونفس اللون ونفس
النظرات المشعة ذكاء وحباً للحياة.
ولو لم يكونا ملتصقين أو كانا
يستطيعان تبادل مكانيهما لما فرقنا
بينهما.
وفي
آخر يوم بالمدرسة قال لنا لاتيمس إن
عائلتهما ستنتقل إلى شيكاغو: >السيد
برينس ألبرت سينقلنا ووالدتنا وأثاث
بيتنا في شاحنته إلى شيكاغو،
والدتنا حصلت على عمل جديد هناك<.
وقالت
مسز نانسي تتساءل: إنها مدينة كبيرة...
أليس كذلك يالاتيمس؟ واستطردت:
ستكون المعيشة صعبة هناك.
وقال
لاتيمس: سنذهب إلى مدرسة الجامعة، كل
الناس أذكياء هناك..
ـ
.. كليرواتر أيضاً سيصبح ذكياً هناك..
قال أحد التلاميذ من الصفوف الخلفية..
ـ
لم لا. قال لاتيمس وهو يصر على أسنانه.
وقالت
مسز نانسي: سوف نفتقدكما.. وسارت
نحوهما وعانقتهما معاً.
وسأل
جاك: هل ستفتقدانا يا لاتيمس ويا
كليرواتر؟
فأجاب
لاتيمس وهو يهز كتفيه غير مبال: ربما..
وقال كليرواتر مقلداً أخيه في هز
كتفيه: ربما.
وأوضح
لاتيمس سبب انتقالهم: والدتنا قالت
إننا سنكون أفضل حالاً بين من هم من
جنسنا..
وأثناء
عودتنا من المدرسة قالت باربره: لا
أظن أنه ستكون لهما صديقة أخرى.
ـ
لا.. أجبتها.. نحن فقط سنظل صديقتيهما
إلى الأبد.. والتصقنا معاً
ركبة بركبة وقطعنا بقية الطريق
نقفز من مكان لآخر.
في
نهاية الأسبوع
تحول تلاميذ المدرسة كلهم إلى توائم
سيامية. ففي الملعب كان الأطفال
ملتصقين بعضهم ببعض عند الصدر: يمشون
على جوانبهم ويلعبون حجلة السياميين
ويتسلقون العوارض أزواجاً. وبعد
فترة قرر بعضهم
أنه يمكن الالتصاق في أي مكان غير
الصدر
ــ
*
أليسون بيكر، أديبة شابة من ولاية أوريجون في غرب
أمريكا، صدرت لها هذه القصة ضمن
مختارات أفضل القصص لعام 1989.
*
مجلة المنال/ العدد 261 ابريل 2002
|