Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

                   زباد.. زباد  


"زباد" ليس اسمه الحقيقي، وانما لقب اطلقته النساء عليه عندما عمل، بعد وصوله الى المدينة، بائعا متجولا بين الحارات.. ينادي ببضاعته من العطور ومعاجين الزينة.

"زباد.. زباد، عندي زباد؛ عندي مسك، عندي خضاب؛ عندي كحل، عندي بخور؛ عندي ورد، عندي ذرور؛ " ويختم اهزوجته بنفس البداية "زباد.. زباد، عندي زباد". هذا عن ماضيه!

أما حاضره فهو مجنون للبعض، وحكيم عند آخرين. يولد "الجنون" عنده من أحشاء لحظات تحرر نفسه من المواجع  فينغمس في طور لحظات يعيش فيها مأزوما بتداخل حكمة العقل وتجليات الجنون.

يحمل خرجا التصق بظهره ـ كسنام جمل اجرب كثرت رقعه وتمزق بعض صوفه.. يحمل بداخله سكينا وميسما وأدوات اخرى لا احد يعرف استخداماتها. ويحاول في لحظات التجلي بتر أوصال فاسدة وكيّها:

يعري في الناس سلوك الرذائل، ويفضح تزلفهم للفضائل.. ينبش بأظافر تجليات الجنون قروحا متقيحة تسترها الأكاذيب والأوهام، ويحمل معولا لهدم اعمدة نخر السوس جوفها وان ظل سطحها متوهجا كالجمرة بعد الاستواء.

يسخر من التعصب الساذج لغيبيات ابتدعوها هم انفسهم وصدقوها بعد طول اجترار، ثم رفعوها إلى منزلة النصوص المقدسة واعتقدوا ان الايمان بها يرقى إلى مستوى العبادة! و"له في الجنون طوق نجاة".

وفي فورة "تأزم" مواجع الذاكرة تضطرب دواخله! تتداعى نزعات باطنية، وملاحم نضال دفاعا عن قضية او مبدأ مجروحة.. مقبورة بساديات حجاجية. ويزج العقل في سعير بوتقة ارهاصات تجارب قديمة انفلتت من مدارها الآدمي ولبس بعضها جناح الملائكة والآخر منها ارتدى لبوس الشيطان!

يتقاذفه اعوجاج الذاكرة واستقامة الجنون.. تتقاطع مسارات الحاضر والماضي ويستعصي عليه فرز الواحد عن الآخر او إبراز لحظة عقل حفرت لها باصابع مدمية اسما وتاريخا!

يداوي احباطات الذات وخذلان الناس بشق طريق آخر يعود به الى ازمنة غابرة تكومت بيارق عنفوانها وطال انتظار راياتها في مخازن جمعت ـ بين ما جمعت ـ نبالا وسيوفا وتروسا.. يرجع تاريخ بعضها إلى زمن الراشدين، وأخرى إلى زمن قريب ترفع للتطريب والعبث. فينتزع من بينها واحدة سوداء تحمل ختم الايوبي، ويعود بها للاحتفال بانكسار غطرسة القوة على اجساد المستضعفين وجوع الفقراء.

وثمة حالة يستثني أهل السوق ورواده العُصاب في زباد، فيغدو كأنه لم يكن بينهم بالأمس مجنونا‍‍‍‍‌‍‍! ففي اليوم التالي لخطاب الزعيم يتحول زباد إلى خطيب مفوه وسياسي محنك، حين يقف فوق تبريزة أو صندوق بضائع. وان لم يجد مكانا مرتفعا في وسط السوق لا يتوانى عن تسلق جدار أحد الدكاكين ليسمع صوته القريب والبعيد.

في هذه المناسبة يتجمع البائعون، والمتسوقون، والمارة، والحمالون، والمتسولون. ويعيد زباد الخطاب بدقة يقف عندها من استمع إليها ليلة الأمس مدهوشين، ويرفقها بشروح لمن تستعصي عليه فهم معاني مفرداتها، وهو يدرك ان جل مستمعيه لا يملكون اجهزة مذياع، أو جذب مستمعين آخرين آثروا الابتعاد عندما صعب بعض الأمر عليهم أو آخرين انشغلوا عنه بشراء أو بيع.

وبعد ان يكمل الخطاب، يواصل الحديث مأخوذا بتجمع الناس، دون وضع اعتبار للزمان والمكان، عن الفقر والامراض في افريقيا، ويسهب في المعاصر من القضايا: بناء السد العالي، ثورة جنوب اليمن وتقاتل الاشقاء في شماله، ازمة الصواريخ الروسية في كوبا، وأخرى سواها من أحقاد وحروب ونزاعات. ويعرج دون ربط على قضايا أخرى لا أحد يعرف مدى صلتها بالواقع والحقيقة!



[المحتويات|مذاق الصبر|نقد|قصص|نصوص|شعر|خواطر |السيرة الذاتية|مقالات| للمراسلة|دفتر الزوار]